من أجل تحول وطني في مفهوم المواءمة بين التعليم وسوق العمل

من أجل تحول وطني في مفهوم المواءمة بين التعليم وسوق العمل؟  ماذا يريد القطاع الخاص من التعليم؟  وكيف يمكن لنظام التعليم أن يلبي احتياجات سوق العمل الوطني؟  وهل سيعمل مجلس التعليم على سد الفجوة الحاصلة في مفهوم المواءمة؟ د. رجب بن علي بن عبيد العويسي
10- 12- 2012م Rajab.2020@hotmail.com ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يثير موضوع ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل تساؤلات عدة واستفسارات متنوعة تشوبها علامات التعجب والاستغراب والإنكار تارة والقناعة بأن ما أنجز على المستوى المؤسسي هو الحد المقبول وأن ما يتم في هذا الموضوع من ممارسة كاف تارة أخرى، في ظل عمل ما زال لم يتحول من مرحلة الاجتهاد الفردي المؤسسي، وفي هذا الاطار تظهر على السطح مجموعة من النقاط التي يفترض أن تكون بمثابة المدخل عند التطرق لموضوع المواءمة والإجابة عن التساؤلات التي طالما تتكرر على ألسنة القائمين على مؤسسات التعليم أو حتى توصيات البحوث والدراسات والتي لم تستطع إلى اللحظة إيجاد معالجة متوازنة واقعية مستدامة في الخروج من أزمة عدم المواءمة والوصول إلى مرحلة المواءمة المنشودة ، فما الذي يريده القطاع الخاص من التعليم؟، وهل لدى القطاع الخاص منظومة كفايات محددة يطلب من التعليم العمل بها؟ هذا في مقابل الأسئلة التي تتردد على ألسنه القائمين على القطاع الخاص بأن مخرجات التعليم غير قادرة على تلبية طموحات القطاع الخاص وتتسم بالجمود وعدم القدرة على التفاعل مع مستجداته، في حين ان الاجابة عن هذا التساؤل الأخير تكمن في السؤالين المطروحين سابقا؟ هذه الأسئلة وغيرها تتكرر وتعاد صياغتها بأساليب مختلفة لكنها تتمحور حول فكرة واحدة تشير بوضوح إلى أن الجميع يفتقدون إلى مؤشرات دقيقة واضحة في رصد فعل المواءمة ، وفي فهم متطلباتها، وفي قياس نواتج تحققها من عدمه والسبب في ذلك يكمن في أن القراءات كلها إنما تعطي مؤشرات تقريبية، وليست احتياجات دقيقة مشفوعة بالأرقام والإحصاءات، هذه النقاشات والمجادلات والمزايدات والمغالطات- ان صح التعبير تسميتها-عندما تقتصر على مجرد اتباع سياسة الكيل بمكيالين ولم يكن همها ايجاد مخرج من الأزمة أو الوصول إلى رؤية مشتركة تجمع جميع الأطراف ذات العلاقة على طاولة واحدة يتداول فيها الحديث عن كل حيثيات الموضوع للوصول الى حلول أو بريق أمل يخرج الموضوع الى حيز الفعل الوطني المشترك المستفيد من كل الفرص المتاحة والدعم الحكومي المعزز بالإرادة السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه في اهمية تقديم معالجة شاملة نوعية للموضوع تراعي جميع المتغيرات وتستشرف مستقبل الوطن ، كون أنه من أولويات المرحلة الحالية التي تمر بها السلطنة والمرحلة القادمة التي تستشرفها من خلال مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات، إن الوصول إلى تحقيق الرؤية الطموحة من عملية المواءمة تتطلب نوعية جديدة من المعالجة تؤكد قبل كل شيء على أهمية قناعة الجميع بأن ما يتم تقديمه حاليا في هذا المجال إنما يأت كاجتهادات تقوم بها المؤسسات في إطار رؤيتها لمسؤوليتها الوطنية ، وبالتالي قد تفتقد أو تبتعد عن الممارسة الحقيقة للمواءمة، وفي الوقت نفسه أن يدرك الجميع الحاجة إلى فعل مشترك يؤطر ضمن استراتيجية وطنية ترسم الطريق للمواءمة وتؤصل لدى المؤسسات الثلاث ( التعليم المدرسي والتعليم العالي، وسوق العمل( القطاع الخاص) أهمية العمل من أجل تحقيق المواءمة، هذا بلا شك يدعونا قبل الدخول في خضم نقاشات هذا الموضوع أن نعي الطبيعة المتغيرة التي يستدعي المفهوم العمل في ظلها، فهي بمثابة محاور يستند إليها في أي مناقشة لموضوع المواءمة، وبالتالي فإن فهمنا لها هو دليل قناعتنا بما يمكن أن ينتج عن هذه المناقشات والتساؤلات من جهد وطني مشترك، وتتمثل في الآتي: • الطبيعة المتغيرة لسوق العمل واتسامه بالديناميكية وسرعة التحول فما هو مقبول من تخصصات اليوم قد لا تكون له تلك الاهمية في سنوات قليلة قادمة . • التحول النوعي في طبيعة المهارات المطلوبة بما يتواكب مع مهارات سوق العمل العالمية. • وجود تغيير مستمر في احتياجات سوق العمل بتغيير السياسات والتوجهات الوطنية والمؤسسية، وبالتالي عدم وجود مؤشرات واضحة في العمل حول السقف من المهارات والنواتج التي تتوفر لدى الخريج في التعليم المدرسي خاصة. • السياسة العامة للدولة وما تريده من التعليم، والشكل الناتج المتوقع منه. • فلسفة التعليم وحدود عملها ومستوى المعالجة المطروحة لمحتواها النظري والفهم المتحقق لدى الآخر بشأنها، هذا بالإضافة إلى أن فلسفة التعليم بالسلطنة والإطار النظري العام الذي بنيت إليه يشير بوضوح إلى أن من بين غايات التعليم هو اكساب المتعلم مهارات العمل وقيمه، وليست المراد هنا مهارات تخصصية بل هي مهارات أساسية مرنة لا تتجاوز طبيعة المرحلة التعليمية ونوعية التعليم والذي يؤطر في حدود مناهجه ومادته ومحتواه وطبيعة الطالب في مرحلة التعليم المدرسي ، وهنا توجه الأنظار إلى التعليم العالي الذي يفترض أنه يعد الطالب لتخصصات محددة في القطاع الخاص أو سوق العمل • التنوع في طبيعة عمل مؤسسات وشركات القطاع الخاص ذاتها. • هل دور مؤسسات التعليم اعداد متعلم جاهز وذو قالب واحد محدد يلبي كل طموحات ومؤسسات القطاع الخاص؟ • نوعية السوق المحلي ذاته وقدرته على تلمس احتياجاته ذاتيا، • مدى قدرة السوق المحلي على امتلاك خاصية استشراف المستقبل، • هل توجد رؤية واضحة وموحدة بالقطاع الخاص حول ما يريده من التعليم؟ وهو ما يعني مدى امتلاك القطاع الخاص لرؤية واضحة مقننة متفق عليها بين جميع مؤسسات القطاع الخاص والشركات في سقف معين تريده من التعليم • إن سوق العمل ما يزال غير مستوعب لخريجي بعض التخصصات النوعية في مؤسسات التعليم العالي، والدليل على ذلك أن الكثير من التخصصات النوعية التي ادركت مؤسسات التعليم العالي قيمتها وأهميتها على المستوى الوطني لم يستطع سوق العمل استقبال خريجيها لذلك اتجهوا لأعمال ومهام أخرى قد لا ترتبط بتخصصهم، لعدم وجود الميدان الحقيقي الذي يمكن أن تعمل فيه هذه الكفاءات. • موضوع المواءمة الحاصلة هو أقرب للاجتهاد المؤسسي فلكل المؤسسة اجتهادات في فهمها للموضوع وتقديرها للوضع والإطار الذي تعمل فيه لتحقيق المواءمة. وهو ما يجعل في المقابل مؤسسات التعليم تثق بأن ما تقدمه في ظل عدم وجود رؤية واضحة معتمدة من سوق العمل هو كاف ويحقق الغرض من التعليم ويؤكد على سلامة النهج الذي انتهجته، كون مؤسسات سوق العمل لم تحدد المهارات التي تريد وهي تختلف من مؤسسة لأخرى وفي قطاعات متنوعة بسوق العمل الوطني • امكانية وجود نقاط مشتركة يمكن الاستفادة منها في الجانبين للوصول إلى رؤية موحدة وطنية في ايجاد مواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. • إن فهم عملية المواءمة وتحقيق متطلباتها يستدعي النظر في مجموعة من الأمور من بينها السياسة العامة للدولة في التعليم وما تريده من التعليم، هل تريد أن تكون دولة سياحية أم تجارية، أم صناعية، وما نوع الصناعات هل ثقيله أم متوسط الخ، هذا بلا شك سيكون محدد عام يضع سياسات التعليم في إطار محدد وبالتالي هو أمر قد لا يكون لمؤسسات التعليم علاقة به بقدر ما هو رؤية عامة لسياسة الدولة وتوجهاتها المستقبلية، • إن مما ينبغي الاشارة إليه هو أن السائد في العالم المتقدم كله هو أن التعليم المدرسي خاصة لا يعد الطالب لمهارات تخصصية ، بل مهارات الحياة المرنة، كما أن توفير شخص جاهز بكل المواصفات لا يمكن لمؤسسة معينة لوحدها تحقيقه بل هو عمل وطني مشترك تتفاعل فيه جهود كل المؤسسات المعنية ببناء الإنسان وصقل مهاراته، وما أشار إليه تقرير اللجنة الدولية لتطوير التعليم من مهارات اربع إنما يمهد لمرحلة التفاعلية في البناء المؤسسي ويؤصل لثقافة التكامل وتقاسم المسؤوليات بين المؤسسات في اعداد المتعلم لمهارات الحياة المختلفة. من هنا تأت أهمية النظرة الشمولية المتسعة عند أي معالجة تتناول موضوع المواءمة، بحيث تضع في أجندتها القدرة على الاجابة عن كل التساؤلات المطروحة من قبل كل الأطراف، مشفوعة بالمعايير والمؤشرات والخطط والبرامج والأدلة ونواتج العمل والإحصائيات والأرقام والتي بلا شك تضع أطراف العمل الثلاث في مرحلة تحول جديدة تتطلب منها المزيد من التنسيق والتكامل والتفاعل والترابط وإيجاد أدوات قياس محددة وواضحة ومعايير أداء مقننه وإطار عمل محدد في إطار وطني يستشرف مستقبل المواءمة التعليمية ويضع مؤسسات التعليم العالي والتعليم المدرسي والقطاع الخاص الذي يمثل سوق العمل أمام مرحلة مهمة تضع في اولوياتها مراجعة شاملة لكل السياسات والخطط والبرامج ليست فقط على مستوى مؤسسات التعليم بل أيضا على مستوى منظومة القطاع الخاص بالسلطنة ليصل إلى مرحلة تتأكد فيها ثقة الإنسان العماني بما يمكن أن يؤديه القطاع الخاص من دور من أجل الإنسان، وثقة الحكومة بقدرة القطاع الخاص على الوفاء بتعهداته والالتزام بمسؤولياته التي تطلبتها مراحل التنمية باعتباره الشريك للحكومة في احداث التحول النوعي . إن هذا التوجه يتطلب بلا شك أن تضع مؤسسات التعليم لنفسها معايير أداء محددة، ورؤى واضحة وهي بذلك تطرح لتحول نوعي يستشرف مرحلة جديدة من العمل التنموي المشترك الذي يفترض أن تنتهج فيه المؤسسات نهج أخرى تؤكد على الشراكة والحوار ووضوح الرؤية وبناء المعايير والشفافية والصراحة المؤسسية ، وبالتالي تتحول الثقافة السائدة من ثقافة الكيل بمكيالين ورمي التهم على الآخر، والتقليل مما يقدمه الآخر من جهود ومبادرات، إلى مرحلة العمل الوطني المسؤول الذي يعمل على انجاز متحقق ، وهي في الوقت ذاته فرصة لصياغة واقع جديد يبني على النقاط المشتركة وينطلق من مؤشرات عمل محددة تتفاعل في إطارها جوانب العمل الثلاث، وتنطلق من الحرص على صياغة رؤية وطنية مشتركة واضحة في هذا الموضوع تنقل مرحلة المواءمة من التنظير إلى الفعل الذي يظهر على شكل برامج وخطط وتوجهات ومشاريع ومبادرات ونماذج عمل محددة، وبالتالي لا بد من وجود صورة واضحة للمخرج من ازمة المواءمة التي تثار بشكل مستمر دون وجود رؤية واضحة تحتويها او تترجم عملها، وعلى هذا فإن بناء رؤية واضح للقضية يخرج موضوع المواءمة من أروقة المجادلات والمناقشات القاصرة عن بلوغ الغاية وتحقيق الطموح والتي لا يتجاوز مرحلة الاتهام واثبات الذات والتنكر للأخر بما يقدمه مع أنها جميعا لا تخرج جميعها من دائرة الاجتهاد المؤسسي وتقدير كل مؤسسة للوضع والمجال الذي تعمل فيه طالما لا يوجد اتفاق وطني مؤسسي على نوعية الخريج المطلوب، هو طرح هذا الموضوع في سياق وطني على شكل ندوات ولقاءات نوعية متخصصة تجمع القائمين على هذه المؤسسات بهدف الوصول إلى رؤية وطنية موحدة تعالج موضوع المواءمة في إطار السياسة العامة للدولة وتضع مؤسسات التعليم أمام واقع فعلي يعزز من مسؤولياتها في المراجعة الشاملة لسياستها وخططها وبرامجها بما يقرب صلتها من تحقيق رؤية المواءمة المطلوبة التي يستشرفها الوطن، ويضع مؤسسات القطاع الخاص أمام مسؤوليتها الحقيقية التي تتجاوز تكهناتها في ما يقدمه التعليم من مخرجات وانطباعها القاصر عن الاثبات بالدليل والشواهد، وبالتالي دعوتها في مراجعة شاملة أيضا لسياستها وخطط وبرامجها وتشريعاتها والتزاماتها وقدرتها على احتواء الكفاءات الوطنية ، وهو ما يمكن أن يضعها امام واقع لا مجال لتجاوزه بحجج غير مقنعه، وبالتالي فهي رؤية لبناء عمل مؤسسي يتفق الجميع عليه يمكن للمؤسسات السير عليه والأخذ به، هذا الأمر أيضا يدعو مجلس التعليم إلى تبني آليات واضحة في رؤية المواءمة وإيجاد نسق محدد من الفعل الوطني القائم على التنسيق والتكامل بين مؤسسات التعليم وسوق العمل، فهل سنجد من يسعى لمبادرة وطنية بشأن المواءمة؟ هذا ما نأمله. وإلى لقاء آخر

دعوة للحوار ...

إخواني أخواتي الكرام

في عالم تتصارع فيه الأفكار وتتطلام فيه القوى ، اجزم بما لا يدع لدي مجالا للشك ان ما ينقصنا هو الحوار الايجابي البناء .

على صفحات مدونتي هذه اكرر الدعوة للحوار فلنستمع لبعضنا البعض لنعطي

الفرصه للراي والراي الاخر لنكن على مستوى الامانه التي حملنا ايها من

لدن رب العالمين وارتضينا تحملها ليكن حوارنا حوار القلب والعقل المفتوح لا حوار الطرشان

الذي لا يستمع الا لنفسه وصوته فقط . وما احوجنا في

هذه الاوقات الراهنه بالذات لهذا الحوار . ادعوكم اخوة

واخوات وافتح لكم الباب للمشاركة بامثله واقعية من حياتكم والتي ثبت

لكم من خلالها اهمية الحوار شاركونا قصصكم اوحوادث ممرتم بها واشكاليات

توصلتم من خلالها الى ان الحوار هو الحل نعم الحوار هو الحل ومهما كانت المشكله ومهما اختلفنا

. ودمتم احباء متحاورين

.................
د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية
التحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي
إن أهمية الحديث عن المثقف ودوره في إطار التنمية المستدامة إنما تنبثق من أهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع إليها، وعند التطرق لدور المثقف في التنمية فمن المهم الإشارة إلى تباين آراء الباحثين والمفكرين بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم حول مفهوم المثقف، فالبعض يرى أن مفهوم المثقف بشكله المبسط يعني منتج الثقافة بأنماطها المتعددة، في حين أن البعض الآخر من الباحثين والكتاب يرى أن المثقف، هو الذي يمتلك قدراً من الوعي والرؤية والثقافة والاطلاع على الأنماط المتعددة للثقافة.

وهذا الأمر يتطلب جهداً متواصلاً من المثقف لمتابعة حركة التطوير والتحديث لأنماط الثقافة المختلفة. فالمثقف هو الذي يطور الأساليب والأنماط السلوكية والثقافية، ويزودها بالعناصر والمعطيات الجديدة التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان، وتتطلبها حاجات الناس وضروراتهم في كل زمان ومكان فهو رقيب وهو صاحب موقف من القضايا الاجتماعية المطروحة، وهو مطور وقارئ جيد للمستقبل ولسيناريوهاته المحتملة في نفس الوقت، وهو قادر على التعامل بإيجابية مع ثقافة العولمة، وانتقاء العناصر الجيدة منها وترك العناصر الرديئة في ضوء المعايير المتسقة مع التصور الاجتماعي العام (علي مدكور، 2001: 160).
ولعل ما سبق يشير بوضوح إلى ضرورة أن ينطلق دور المثقف في التنمية الثقافية في المجتمع في الألفية الثالثة من أربعة جوانب رئيسة تشكل بمثابة معايير للمثقف المتميز وهي: مدى قدرة المثقف على المواءمة بين الأصالة والمعاصرة. ومدى إيمان المثقف بمفهوم التواصل الحضاري والثقافي وتقبل الذات والآخر. ودور المثقف في تعزيز الهوية الذاتية والثقافية. والإجراءات والمبادرات التي قام بها المثقف لتعزيز دوره في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.
لماذا الحديث عن دور المثقف العماني؟

إن الحديث عن دور المثقف ينبني على مجموعة من المبررات، فلعلنا ندرك جميعا جوانب التطوير الحاصلة في المجتمع العماني في ظل العهد الزاهر لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وتأكيد جلالته على أهمية تحقيق التنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة والتي يعتبر الإنسان العماني هو غايتها، مما يعني ضرورة أن يسهم الإنسان العماني بدور فاعل في تحقيق متطلبات هذه التنمية وتعزيز دور السلطنة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، مما يعني ضرورة أن يقوم المثقف العماني بدور فاعل في خدمة قضايا التنمية المستدامة للمجتمع، وأن يكون له دور بارز في خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية والفكرية والاقتصادية في مجتمعه، سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، ولا شك بأن المثقفين هم أول من يعنيهم شأن التطوير والتجديد وتعزيز قيم الانتماء والولاء لهذا المجتمع.

كما أنه من نافلة القول أن نعلم جميعا أنه لا يمكن وضع سقف للتقدم الثقافي في عالم سريع التطور، دائم التغير بل والتحول، فتصُّرف من هذا النوع يعني وقف نمو المجتمع وتطوره، والإخلال بشروط بقائه ونمائه. ويتفق الباحثون على أن البشرية تمكنت خلال العقد الماضي من تحقيق تقدم علمي هائل ربما يفوق ما استطاعت أن تنجزه خلال تاريخها على هذا الكون بأكمله، "حيث أصبح حجم المعرفة يتضاعف بمتواليات هندسية يصعب ملاحقتها ومتابعتها في كل التخصصات. كما أن العولمة الكونية والاتساع في مجال المعرفة والتكنولوجيا والاتصالات، وكذلك واقع التنمية المستدامة التي تشهدها السلطنة وعمليات التطوير والتحديث الجارية في كل مجالات الحياة ومنها المجال الثقافي أو التنمية الثقافية والتي بلا شك تعتبر ركيزة أساسية للتنمية الشاملة في المجتمع، والدور الذي ينبغي أن يقوم به المثقف العماني في سبيل تحقيق ركائز التنمية الثقافية، كل ذلك يشكل مبررات مهمة في سبيل تفعيل دور المثقف في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.
ولعل تلكم التظاهرات الثقافية المتنوعة التي تشهدها السلطنة في إطار التنمية المستدامة والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: مسقط عاصمة الثقافة العربية 2006م، مهرجان مسقط، معرض مسقط الدولي للكتاب والفعاليات الثقافية المصاحبة له، المنتدى الأدبي، ونادي الصحافة، ومهرجان الشعر العماني ومهرجان صلالة السياحي وغيرها، تحتم ضرورة أن يكون المثقف العماني على وعي بمتطلبات التنمية والاستجابة الواعية لمطالب المجتمع المتطورة.
ولا شك فإن هذه الاحتفاليات الثقافية تفرض دورا كبيرا على مستقبل الثقافة والمثقف العماني، وتفتح المجال أمام الشباب العماني نحو الإبداع والمشاركة الفاعلة والتميز الهادف والتألق في سماء النجومية، وفي نفس الوقت تسهم في تحقيق التواصل الثقافي بين المثقفين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
وفي ضوء الطرح السابق لمفهوم المثقف وخصائصه ومبررات الدور الذي يقوم به، يمكن القول أن تحقيق المثقف العماني لدوره في التنمية المستدامة، وفاعلية هذا الدور تتطلب منه أن يكون واعيا ومؤثرا في مجتمعه من خلال تبني مجموعة من الحقائق التي تشكل ثالوث التميز في أداء المثقف في الألفية الثالثة، وتعتبر دعائم التنمية التي ينشدها المجتمع ويجدها بين أبنائه، وما من شك فإن المسؤولية تبقى على المثقف أكثر من غيره فإنه منوط به ترسيخ مفاهيم الولاء والانتماء والحوار وتقبل الآخر.
المثقف العماني ومنهج تفاعل الثقافات:
وإزاء هذا الحجم المتنامي من المعرفة الإنسانية التي تميزت بأنها لا تتحدد في حدود معينة في ظل التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة حتى أصبح العالم قرية صغيرة، يأتي أهمية انفتاح الثقافات المتنوعة المتباينة على بعضها، هذا الانفتاح الذي يسمح بالحوار وتقبل الآخر والتفاهم والمشاركة البنّاءة من أجل الإطلال على آفاق جديدة من عوامل الثقافة ومكوناتها. إذ أن هذا التفاعل الحر والحوار المشترك هو الذي يؤدي في حقيقية الأمر إلى الوصول إلى ثقافة عالمية، يتوحد عليها البشر في يوم من الأيام. ولعل شريعتنا الإسلامية التي تشكل المصدر الأساسي في التشريع في المجتمع العماني وما حملته من قيم التسامح والحوار والمشاركة الفاعلة وسلوك الرسول الكريم في تحقيق هذه المفاهيم أكبر دليل على الأثر الذي تحدثه هذه المنهجيه في تطوير المجتمعات ونقلها من حالة التخلف إلى حالة التطوير والمشاركة الفاعلة في الحضارة الإنسانية. فعلاقة المثقف بمحيطه الداخلي بما فيه من ثقافات وبالعالم الخارجي بما يحمله من قيم ينبغي أن تكون علاقة أخذ وعطاء لا مجرد أخذ فقط، ولا سيما أن لدينا الكثير مما يمكن أن نعطيه، إذا كنا واعين لما لدينا، وقادرين على استثمار ثمرات الماضي بأدوات المعرفة الحديثة، وعلى تجديد هذا التراث ثم الزيادة عليه عن طريق العمل المبدع الخلاق (محمود إبراهيم، 2006). وفي تأكيد مبدأ التواصل الثقافي للمثقف يأتي أهمية الفهم لثقافة الآخر وتأكيد ثقافة الحوار في تقريب وجهات النظر ومتابعة المثقف لكل جديد في المنظومة العالمية ومشاركته في صنع المستقبل المنظور لأمته ومجتمعه. فبالحوار أو التواصل الثقافي يمكن أن نحظى بهذا المستوى العالي من (الفهم المشترك)، وإذا استطعنا أن نحظى بهذا المستوى العالي من الفهم المشترك، يستطيع المرء منّا أن يمارس ملكاته الرفيعة من البداهة والحكمة والقيم الفاضلة، ويصبح من الممكن فحص جزئيات القضية المطروحة والانتقال من المنظور الضيق إلى الأوسع، ومن خلال تبني رؤية "الفهم المشترك"، يتأكد مبدأ التعاون المشترك الذي يزيد من التفاعل الخلاق ويعزز الاتجاه نحو صنع القرار المشترك (محمد الفيومي، 2003).، فالتحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها إنما يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي.
المثقف العماني والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة:
تأتي المواءمة بين الأصالة والمعاصرة من أهم التحديات التي تواجه المثقف ودوره في التنمية المجتمعية المستدامة، بحيث يجمع بين موروث أمته الحضاري والثقافي وينطلق منه نحو العالمية، بما يحفظ الثوابت الوطنية. كما أن ترجمة مفهوم الأصالة يرتبط بمدى معرفة المثقف بالأمة التي ينتمي إليها في ماضيها وحاضرها وما يتوقع لها، وذلك بغض النظر عن طبيعة اختصاصه، إذ من المهم أن يكون على بينة بالموروث الثقافي والقيمي والحضاري الذي يتميز به مجتمعه وأمته عبر القرون المتعاقبة، ثم الحالة الراهنة التي عليها مجتمعه وما يتطلع إليه في المستقبل، وإذا كنا ندرك أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر تفجر معرفي لم يسبق له مثيل، فإن إلماما بقدر كاف من أنماط المعرفة المعاصرة، وإطلاعا كافيا على أحوال العالم الخارجي يصبحان ضرورة من ضرورات المثقف (محمود إبراهيم،2006). وإذا كانت الثورة الثقافية - كما يرى البعض- تعني أن تجعل من الماضي حياً من جديد، عن طريق دمجه بالممارسة الاجتماعية والحضارية الفعلية، فإن ذلك يتطلب توليد ثقافة جديدة تستطيع أن تستوعب العلم والتكنولوجيا اللذين يعدان من العناصر المحركة والمغنية للثقافة، وهذا لا يتم إلا إذا غدت قيم التراث واتجاهاته قيماً متحركة حركة حية، تتوافق مع ما يستلزمه التقدم العلمي التكنولوجي، فالتراث الثقافي شيء ثمين، تزداد قيمته عندما نجدده ونملأه بالديناميكية والحركة، ونجعل منه حافزاً على بناء حاضر جديد ومستقبل جديد، والماضي يظل مغنياً ما حافظ على هذه الرموز المحركة، ولا يغدو تخلفاً وجموداً إلا حين تفقد هذه الرموز معناها. 
المثقف العماني وتعزيز الهوية الوطنية:
عندما تُطرح قضية الهوية الثقافية بجانبيها الخصوصية والعمومية الثقافية مقرونة بعنصري الأصالة والمعاصرة، يأتي دور المثقف في محاولة العمل الجاد والواعي في إيجاد تمازج في الفكر من أجل إحداث تغيير إيجابي وفاعل في عملية البناء الثقافي والاجتماعي في المجتمع. ومن المؤكد أن الثقافات الإنسانية درجت منذ فجر التاريخ إلى السعي بشتى الوسائل والطرق نحو المحافظة على تميز الهوية الثقافية، مما يجعلها تكتسب خصوصية تسمو بها عن سائر الثقافات، تلك الخصوصية التي تجعل أعضاءها يزدادون انتماء بها وإليها مهما علت درجة تلك الثقافة أو هبطت لأنها في النهاية جزء من الكيان الإنساني ذاته والذي يحرص الإنسان دوما على حمايته وصونه رغبة في حب الاستمرار وغريزة البقاء (محمد إبراهيم، 1999: 139- 142). غير أن قيام المثقف لشخصه بهذا الدور لن يتحقق إلا من خلال دعم مؤسسات المجتمع للثقافة والمثقفين، وتبصيرهم بأدوارهم، ومشاركتهم في عملية التطوير والبناء، وجعلهم في مقدمة من يعنيهم شأن التنمية المستدامة، وتجسير الهوة بين المثقفين والقيادة السياسية والمثقفين وفئات المجتمع. وعندما تتوافر لدى المثقف هذه القاعدة العريضة من الدعم والمساندة من جميع مؤسسات المجتمع وهيئاته، وعندما تتاح له فرص التعبير الهادف والرؤية الواعية في الاستفادة من قدراته وإمكاناته، وتهيئة الظروف الملائمة لعمل المثقفين، وذلك بمشاركة المثقفين جميعهم في عملية البناء والتطوير نحو مزيد من الخلق والإبداع والابتكار، وتوفير المناخ التشاركي الذي يتيح حرية التعبير وحرية الكلمة وفق رؤية اجتماعية واعية تتحمل المسؤولية بصدق وأمانة بمشاركة المثقفين وصانعي القرار ومنفذيه في المجتمع، فإنه وبلا شك سوف يساهم في نقل المثقف من مرحلة الجمود الفكري إلى مرحلة من النضج والانفتاح المتوازن الواعي. 
المثقف العماني ورؤية التنمية المستدامة:

إذا كانت الثقافة في معناها الواسع تشمل جميع الإنجازات الاجتماعية والثقافية المتراكمة عبر السنين التي تكوّن تراث المجتمع، سواء كانت أعمالا فنية أو فلسفية أو أدبية أو علمية، فبلا شك فإن التراث العماني الضخم الذي تشكل عبر آلاف السنين من تاريخ عمان يعبّر عن صفحة مشرقة في تاريخ الثقافة والمثقف العماني على مر العصور. ويأتي الموروث الحضاري الثقافي العماني بما فيه من عادات وتقاليد وفنون شعبية أحد الدعامات الأساسية التي يقوم عليها التراث الثقافي العماني، فالمجتمع العماني يتميز بعاداته وتقاليده الاجتماعية التي تشكل عنصرا حيويا من ثقافته وتراثه الإسلامي والوطني والحضاري، وهو بجميع فئاته وأفراده تحكمه هذه السلسلة من العلاقات والأعراف والقيم والعادات والتقاليد الإيجابية التي امتزجت بفعل حركة الزمن وتطوره، وإلى جانب العادات والتقاليد التي يزخر بها التراث العماني، فإن هناك الثقافة الشعبية العمانية التي تتميز بكونها أصيلة حية ومباشرة تتميز بالشفافية والحكايات الشعبية والقصائد الشعرية. على أن الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة، قد علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية فهو كالهواء والكلأ ملك عام للأمة، وأن كل فرد من هذه الأمة له الحق فيه، كما أنه على كل فرد أن يُخرج ما في مقدوره للآخرين، هذه الرؤية التي يؤمن بها المثقف العماني ساهمت بما لا يدع مجالا للشك في تحقيق الانفتاح العماني على العالم الخارجي، وتفاعل المثقف العماني بشكل لم يسبق له مثيل مع الأحداث المعاصرة له على مر العصور، مما ساهم في بروز قمم أدبية وثقافية على الساحة العمانية حق لها أن تتبوأ مكانها اللائق بها بين أقرانها في العالم العربي. وإذا كان للمجتمع العماني تلك المقومات الثقافية الكبيرة التي يمكن أن تشكل المنهج الذي يمكن أن يبني عليه المثقف العماني دوره الثقافي والحضاري والإنساني في النظام العالمي الجديد، فإنه لحري به أن يستلهم من تلك المقومات ما يسهم في تحقيق التواصل الثقافي مع الآخر سواء كان التواصل محليا بين المثقف وفئات المجتمع العماني، والمثقف والقيادة السياسية في الوطن والتي تقوم على تأكيد وتعزيز مفهوم الولاء والانتماء والتربية المواطنية المميزة.
وأخيرا يظل النطق السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في زيارته التاريخية لجامعة السلطان قابوس "نحن لا نصادر الفكر"، نبراسا يضيء الطريق ويستلهم منه أبناء عمان معاني التفاؤل والتجديد والأصالة والمعاصرة التي ينبغي أن يضعها المثقف العماني نصب عينيه، كما أن إيمان القيادة الحكيمة لباني نهضة عمان الحديثة بأن تحقيق الإنسان العماني الهوية العالمي الفكر والرؤية، الذي يدرك الأمور وينظر إليها بمنظور المستقبل مع التزامه بالثوابت هو غاية التنمية الوطنية؛ سوف يعّزز من دور المثقفين العمانيين في المجتمع نحو مزيد من الإبداع والإنتاج والمشاركة الفاعلة في تحقيق التنمية المستدامة، ويبقى هنا على المثقف جدية الرغبة في التواصل والتجديد واستخدام منهج التحليل في رصده للأمور والنقد الهادف البناء في تعاطيه لقضايا وطنه والتي يسعى من خلالها إلى تقديم البدائل والحلول وبناء أسس الحوار والفهم للذات والآخر.


المراجع:
إبراهيم، محمد( 1999م)، الثقافة العربية وتحديات العولمة، مجلة شؤون اجتماعية، العدد ( 61)، السنة( 16)، ص ص 133- 163.
إبراهيم، محمود ( 2006م)، المثقف العربي: الصورة المثلى له، المجلة الثقافية، عدد (20)، الأردن، الجامعة الأردنية.
خليل، زهير ( 2006م)، دور التنمية الثقافية في بناء المجتمع، مجلة الثقافة، العدد (3)، كانون الثاني، 2006م، ص ص: 58- 60.
السنوي، معتصم ( 1999م)، المثقف العربي والتحديات الجديدة التي تواجه الأمة العربية، المجلة الثقافية، العدد(46)، الأردن، الجامعة الأردنية.
الفيومي، محمد ( 2003م)، قيم الحوار وإشكالية التحدي الحضاري، سلسلة محاضرات ليالي رمضان لعام 2003م، الكتاب الأول، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ص ص 78 - 100
مدكور، علي ( 2001م)، الثقافة في عصر العولمة، مجلة الأمانة، العدد(13)، أكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة، ص ص 158- 162.
الأنصاري، محمد جابر ( 1992م)، التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، بيروت، دار الغرب الإسلامي.









0 التعليقات

شاركنا الراي ...

مختارات مصورة