ديس
15
يعد موضوع تغيير القناعات من المواضيع الحساسة والمهمة في حياة المؤسسة التربوية بشكل خاص لتعاملها مع قدرات ومشاعر وأفكار مختلفة من الطلاب وغيرهم، وتغيير قناعات الطلاب أو بمعنى آخر تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تتولد لدى الطالب بسبب ظرف ما ( نتيجة طالب الصف الثاني عشر في الفصل الدراسي الأول مثلا)، حول موقعه التعليمي وعن نفسه ومستواه ومستقبله العلمي والوظيفي يعتبر من أهم القضايا التربوية التي تعنى بها المدرسة الحديثة، وينبغي أن تمنحها الأهمية القصوى في ممارساتها وخططها التنفيذية.
والتغيير في مفهومه العام يعني تعديلا في السلوك يترك أثره على الفرد، ويهدف إلى تحقيق أهداف معينة قد تكون قصيرة الأجل، كما قد تكون طويلة الأجل.. ويتوقف مدى تحقيق الأهداف المنشودة على كيفية إدارة وإحداث التغيير بفاعلية، كما يعتبر تحديد أهداف التغيير بوضوح أهم الأسس والاعتبارات لإنجاح تغيير قناعات الأفراد، كما يتوقف وضع أهداف التغيير وتحديدها على تفهم أسباب وضرورة تلك الأهداف وأهميتها وكيفية تحديدها وأساليب تنفيذها، فهو باختصار محاولة جادة لرفع قدرات الفرد التي تمكنه من القيام بأداء دوره على أفضل وجه، وتمكينه من الوصول إلى مرحلة الإزهار ورفع مستوى الكفاءة الإنتاجية لديه.
وأسلوب تغيير القناعات مطلوب في مدارسنا، بهدف تحقيق مزيد من التفاعل والتكيف بين الطالب والبيئة المدرسية بما فيها من معلمين ومناهج مدرسية وبيئة صفية ومع زملائه الطلاب، بل يتعدى ذلك إلى ضرورة تكوين اتجاه إيجابي نحو نفسه ومستقبله، فالتغيير في أهم مظاهره إنما يحاول التوجه بالطالب نحو وضع أفضل ، يحسن إمكانية استغلال قدراته وكفاءاته ومهاراته، ويستثمر وقته، ويبادر في تحقيق منجزات مناسبة، ويستثمر الإمكانات التي توفرها المدرسة من معلمين أكفاء وبيئة مدرسية تربوية منظمة، ودروس تقوية ليحقق من الكفاءة الإنتاجية ما يرضي من خلالها نفسه وأهله وأسرته ومدرسته ومجتمعه.
وتأتي الحاجة إلى إحداث تغيير في قناعات الطلاب بمدارسنا- وخاصة طلبة الصف الثاني عشر- لأسباب عدة تتمثل في ، ضعف درجة الطالب في الفصل الدراسي الأول، وعدم حصوله على المستوى العلمي المأمول والمشرف الذي يرضى عنه وأسرته، وشعوره بالنقص وعدم القدرة على مواصلة النجاح، والفشل في المستقبل، وعدم الثقة بالنفس، مما يترتب عليه اللامبالاة والكسل والإهمال وعدم الشعور بالمسؤولية ، وإثارة الفوضى في الفصل، ووجود درجة كبيرة من القلق والتذبذب لدى الطالب، فتنهار قواه الفكرية، وتنسد أمامه أبواب المستقبل ، وتنغلق أمامه مصابيح الأمل، فيتعكر مزاجه، حتى يشعر أنه يدرس بدون هدفـ، وأن الآمال قد تحطمت والأبواب قد أغلقت، وأن الرزق قد قطع عنه، فلا أهمية في دراسة أو في حياة .
هذا هو الواقع الذي تشهده مدارسنا خاصة بعد ظهور نتيجة الفصل الدراسي الأول من كل عام دراسي، وهذه هي حالة طلابنا وطالباتنا، فتزول تلكم الحيوية التي كانت الموجودة عند البعض بعد ظهور نتيجة الفصل الدراسي الأول، ويعتقد الطالب بأن باب الرزق أو الجامعة التي يأمل أن يلتحق بها قد أغلقت أبوابها أمامه، حتى أصبح الطالب ينظر إلى المدرسة كأنها كابوس عليه " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون".
وإزاء هذا الواقع الأليم المحزن، وإزاء هذه النظرة التشاؤمية في الحياة وإلى المستقبل الذي يتولد عند طلابنا وأبنائنا وهم في سن الزهور، وبداية الحياة الإنتاجية، يصبح هذا الفكر ملازما لهم، وهذه النظرة التشاؤمية رديفة لمستقبلهم، تسير معهم أينما ساروا، ويتجهون بها أينما اتجهوا، بل أنهم يبادرون بها كل مسئول أو مشرف أو معلم يأتي لزيارة المدرسة أو الصف الدراسي، وتصبح أصابع الاتهام لموجهة للمعلم ووزارة التربية بأنهما السبب في ضياع مستقبلهم، وأنهما السبب في هذه الكارثة. لقد ضاع المستقبل وضاعت أبواب الأمل، وجاءت مصابيح الظلام لتخيم في الأفق بعد نصف عام دراسي مليء بالحيوية والتميز والمبادرات والنجاحات والتفوق.
يسأل أحدهم نفسه لقد أجبت عن كل الأسئلة التي كانت في الورقة الامتحانية، ويقول آخر لم أترك سؤالا واحدا لم أجب عنه، ويقول ثالث لقد راجعت الامتحان مع المعلم الفلاني وتبين لي بأن إجاباتي كانت صحيحة، ويقول رابع كنت أتوقع أن أحصل على 95% ، فلماذا يا ترى حصلت على أقل من ذلك بكثير، وما درى " تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".
وإزاء هذه الفوضى الفكرية العارمة، وإزاء هذا الصخب الذي يقض مضاجع أبنائنا في صفوفهم الدراسية، وإزاء هذا الضجيج الصادر منهم عند زيارة مشرف أو مدير أو.. أو ...أو... إلى الفصل، ما المطلوب من مدارسنا، هل عليها أن تقف مكتوفة الأيدي تنظر بعين وتغمض العين الأخرى تجاهلا لما يحدث، ثم في النهاية يكيلون التهم على الوزارة وأن لها رؤيتها في ذلك.
إن الدور المطلوب من مدارسنا بما تحوية من عناصر أن لا تقف موقف المتفرج مما يحدث بل عليها ، أن تعيد الأمور إلى نصابها، ليس بالضرب، ولا بالتسكين ، ولكن بفتح مصابيح الأمل لدى الطلاب، وتغيير الاتجاهات السلبية إلى اتجاهات إيجابية، تنظر إلى التفاؤل وتدعو إليه " تفاءل بالخير تجده" ، تلك أزمة وستنتهي وسيجعل الله لكم التفوق في الفصل القادم" من جد وجد " ، " إن الله لا يضيح أجر من أحسن عمله"، " إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"، تفاءل بالخير تجده،" لا تبك على فائت"، "اعمل لدنياك كأنك تعيش غدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس"، "ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك" ، وفي السماء رزقكم وما توعدون"، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "، إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى".
ومع قناعتنا بأن مدارسنا لا تتوفر فيها مراكز الإرشاد النفسي ، وبعضها لا يتوفر بها الأخصائي الاجتماعي، إلا أن الأمر يتطلب وضع إستراتيجية واضحة وخطط علمية مدروسة لمعالجة هذا الجانب ، وبالتالي يتطلب تفعيل هذا الجانب أن تبذل إدارة المؤسسة التربوية ومعلميها والأخصائي الاجتماعي بها كل السبل والوسائل والأساليب التوجيهية والإشرافية للقضاء على بعض الاتجاهات الخاطئة والإيحاءات السلبية أو التي تدعو إلى الفشل واليأس والإهمال، وأن تقوم بعمل حقيبة إرشادية تعتمد مجموعة من البرامج الننوعية المتميزة التي ترقى بفكر الطالب، ويتوقع لها تأثير في تغيير اتجاهات الطلاب ، والقيام بسلسلة من المحاضرات أو الندوات المخططة أو برنامج عمل متكامل حول تغيير القناعات من خلال الأخصائي الاجتماعي بالمدرسة أو من خلال دعوة بعض المتخصصين في علم النفس والتنمية البشرية أو مراكز الإرشاد النفسي في عمل مثل هذه البرامج. كما لا ينبغي أن تصبح هذه الخطة مجرد حبرا على ورق ، بل تتم تنفيذها ومتابعتها والإشراف عليها من قبل إدارة المدرسة، وتشكل اللجان المتابعة لها سواء على مستوى المنطقة التعليمية أو على مستوى المدارس، وتخصيص برنامج زمني مناسب لانجازها، مع إطلاع أولياء الأمور على خطط المدرسة في هذا الجانب، بحيث يتم التركيز على طلبة الصف الثاني عشر، ومتابعة أثر ذلك من خلال أدائهم في المواقف الصفية، وعلى الإدارة التعليمية بالمناطق عمل برنامج إرشادي وتوجيهي للمدارس التي تحوي الصف الثاني عشر، ومتابعتها بصورة مستمرة واتخاذ البدائل والأساليب المناسبة بيث تطبق على جميع المدارس .ورفع تقارير دورية مستمرة حول جهود المدارس والمناطق التعليمية في هذا المجال.
وعلى هذا فإن تحقيق ما سبق على أرض الواقع يتطلب تكامل دور الأسرة والمدرسة من خلال ما يأتي:
1- بيان دور الأسرة في أهمية ترسيخ الهدف من الحياة ، والوقوف مع الأبناء لتحديد مسارات حياتهم المستقبلية.
2- اكتشاف مواهب الطالب والخصائص المتميزة في شخصيته والتي قد تساعده في اختيار مسارات المستقبل.
3- التأكيد على أهمية دور الطالب في تغيير شخصيته وتحديد أهدافه باعتباره المسئول المباشر عن المستقبل والشخصية.
4- اختيار المدرسة لنوعية البرامج التوعوية التي تركز على ( بناء الثقة بالنفس وصناعة التفكير الإيجابي، والتخطيط للمستقبل).
5- تفعيل دور الإرشاد النفسي والاجتماعي داخل المؤسسة التعليمية، وعدم الاقتصار على حل المشكلات الموقفية والانطلاق نحو بناء فكر إيجابي قائم على أسس الثقة والإيجابية والابتعاد عن الإيحاءات السلبية.
6- التخطيط الجيد في تحديد مسارات الأنشطة التعليمية بحيث تعمل على تعزيز أدوار الإرشاد النفسي.
7- دعم النماذج الإيجابية من القيادات الطلابية وإخراجها بالشكل المطلوب داخل المجتمع المدرسي( صناعة القدوات في المدارس).
إننا نأمل أن تولي مدارسنا هذا الموضوع أهمية كبيرة، وأن تعمل المناطق التعليمية بدورها على مساندة جهود المدارس في هذا المجال، بحيث تكون منظمة ومنسقة وتعطى قدرا من العناية والاهتمام، للنهوض بأبنائنا الطلاب والسير بهم نحو مستقبل مشرق سمته التفاؤل والمحبة والخير .