من أجل تحول وطني في مفهوم المواءمة بين التعليم وسوق العمل

من أجل تحول وطني في مفهوم المواءمة بين التعليم وسوق العمل؟  ماذا يريد القطاع الخاص من التعليم؟  وكيف يمكن لنظام التعليم أن يلبي احتياجات سوق العمل الوطني؟  وهل سيعمل مجلس التعليم على سد الفجوة الحاصلة في مفهوم المواءمة؟ د. رجب بن علي بن عبيد العويسي
10- 12- 2012م Rajab.2020@hotmail.com ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يثير موضوع ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل تساؤلات عدة واستفسارات متنوعة تشوبها علامات التعجب والاستغراب والإنكار تارة والقناعة بأن ما أنجز على المستوى المؤسسي هو الحد المقبول وأن ما يتم في هذا الموضوع من ممارسة كاف تارة أخرى، في ظل عمل ما زال لم يتحول من مرحلة الاجتهاد الفردي المؤسسي، وفي هذا الاطار تظهر على السطح مجموعة من النقاط التي يفترض أن تكون بمثابة المدخل عند التطرق لموضوع المواءمة والإجابة عن التساؤلات التي طالما تتكرر على ألسنة القائمين على مؤسسات التعليم أو حتى توصيات البحوث والدراسات والتي لم تستطع إلى اللحظة إيجاد معالجة متوازنة واقعية مستدامة في الخروج من أزمة عدم المواءمة والوصول إلى مرحلة المواءمة المنشودة ، فما الذي يريده القطاع الخاص من التعليم؟، وهل لدى القطاع الخاص منظومة كفايات محددة يطلب من التعليم العمل بها؟ هذا في مقابل الأسئلة التي تتردد على ألسنه القائمين على القطاع الخاص بأن مخرجات التعليم غير قادرة على تلبية طموحات القطاع الخاص وتتسم بالجمود وعدم القدرة على التفاعل مع مستجداته، في حين ان الاجابة عن هذا التساؤل الأخير تكمن في السؤالين المطروحين سابقا؟ هذه الأسئلة وغيرها تتكرر وتعاد صياغتها بأساليب مختلفة لكنها تتمحور حول فكرة واحدة تشير بوضوح إلى أن الجميع يفتقدون إلى مؤشرات دقيقة واضحة في رصد فعل المواءمة ، وفي فهم متطلباتها، وفي قياس نواتج تحققها من عدمه والسبب في ذلك يكمن في أن القراءات كلها إنما تعطي مؤشرات تقريبية، وليست احتياجات دقيقة مشفوعة بالأرقام والإحصاءات، هذه النقاشات والمجادلات والمزايدات والمغالطات- ان صح التعبير تسميتها-عندما تقتصر على مجرد اتباع سياسة الكيل بمكيالين ولم يكن همها ايجاد مخرج من الأزمة أو الوصول إلى رؤية مشتركة تجمع جميع الأطراف ذات العلاقة على طاولة واحدة يتداول فيها الحديث عن كل حيثيات الموضوع للوصول الى حلول أو بريق أمل يخرج الموضوع الى حيز الفعل الوطني المشترك المستفيد من كل الفرص المتاحة والدعم الحكومي المعزز بالإرادة السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه في اهمية تقديم معالجة شاملة نوعية للموضوع تراعي جميع المتغيرات وتستشرف مستقبل الوطن ، كون أنه من أولويات المرحلة الحالية التي تمر بها السلطنة والمرحلة القادمة التي تستشرفها من خلال مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات، إن الوصول إلى تحقيق الرؤية الطموحة من عملية المواءمة تتطلب نوعية جديدة من المعالجة تؤكد قبل كل شيء على أهمية قناعة الجميع بأن ما يتم تقديمه حاليا في هذا المجال إنما يأت كاجتهادات تقوم بها المؤسسات في إطار رؤيتها لمسؤوليتها الوطنية ، وبالتالي قد تفتقد أو تبتعد عن الممارسة الحقيقة للمواءمة، وفي الوقت نفسه أن يدرك الجميع الحاجة إلى فعل مشترك يؤطر ضمن استراتيجية وطنية ترسم الطريق للمواءمة وتؤصل لدى المؤسسات الثلاث ( التعليم المدرسي والتعليم العالي، وسوق العمل( القطاع الخاص) أهمية العمل من أجل تحقيق المواءمة، هذا بلا شك يدعونا قبل الدخول في خضم نقاشات هذا الموضوع أن نعي الطبيعة المتغيرة التي يستدعي المفهوم العمل في ظلها، فهي بمثابة محاور يستند إليها في أي مناقشة لموضوع المواءمة، وبالتالي فإن فهمنا لها هو دليل قناعتنا بما يمكن أن ينتج عن هذه المناقشات والتساؤلات من جهد وطني مشترك، وتتمثل في الآتي: • الطبيعة المتغيرة لسوق العمل واتسامه بالديناميكية وسرعة التحول فما هو مقبول من تخصصات اليوم قد لا تكون له تلك الاهمية في سنوات قليلة قادمة . • التحول النوعي في طبيعة المهارات المطلوبة بما يتواكب مع مهارات سوق العمل العالمية. • وجود تغيير مستمر في احتياجات سوق العمل بتغيير السياسات والتوجهات الوطنية والمؤسسية، وبالتالي عدم وجود مؤشرات واضحة في العمل حول السقف من المهارات والنواتج التي تتوفر لدى الخريج في التعليم المدرسي خاصة. • السياسة العامة للدولة وما تريده من التعليم، والشكل الناتج المتوقع منه. • فلسفة التعليم وحدود عملها ومستوى المعالجة المطروحة لمحتواها النظري والفهم المتحقق لدى الآخر بشأنها، هذا بالإضافة إلى أن فلسفة التعليم بالسلطنة والإطار النظري العام الذي بنيت إليه يشير بوضوح إلى أن من بين غايات التعليم هو اكساب المتعلم مهارات العمل وقيمه، وليست المراد هنا مهارات تخصصية بل هي مهارات أساسية مرنة لا تتجاوز طبيعة المرحلة التعليمية ونوعية التعليم والذي يؤطر في حدود مناهجه ومادته ومحتواه وطبيعة الطالب في مرحلة التعليم المدرسي ، وهنا توجه الأنظار إلى التعليم العالي الذي يفترض أنه يعد الطالب لتخصصات محددة في القطاع الخاص أو سوق العمل • التنوع في طبيعة عمل مؤسسات وشركات القطاع الخاص ذاتها. • هل دور مؤسسات التعليم اعداد متعلم جاهز وذو قالب واحد محدد يلبي كل طموحات ومؤسسات القطاع الخاص؟ • نوعية السوق المحلي ذاته وقدرته على تلمس احتياجاته ذاتيا، • مدى قدرة السوق المحلي على امتلاك خاصية استشراف المستقبل، • هل توجد رؤية واضحة وموحدة بالقطاع الخاص حول ما يريده من التعليم؟ وهو ما يعني مدى امتلاك القطاع الخاص لرؤية واضحة مقننة متفق عليها بين جميع مؤسسات القطاع الخاص والشركات في سقف معين تريده من التعليم • إن سوق العمل ما يزال غير مستوعب لخريجي بعض التخصصات النوعية في مؤسسات التعليم العالي، والدليل على ذلك أن الكثير من التخصصات النوعية التي ادركت مؤسسات التعليم العالي قيمتها وأهميتها على المستوى الوطني لم يستطع سوق العمل استقبال خريجيها لذلك اتجهوا لأعمال ومهام أخرى قد لا ترتبط بتخصصهم، لعدم وجود الميدان الحقيقي الذي يمكن أن تعمل فيه هذه الكفاءات. • موضوع المواءمة الحاصلة هو أقرب للاجتهاد المؤسسي فلكل المؤسسة اجتهادات في فهمها للموضوع وتقديرها للوضع والإطار الذي تعمل فيه لتحقيق المواءمة. وهو ما يجعل في المقابل مؤسسات التعليم تثق بأن ما تقدمه في ظل عدم وجود رؤية واضحة معتمدة من سوق العمل هو كاف ويحقق الغرض من التعليم ويؤكد على سلامة النهج الذي انتهجته، كون مؤسسات سوق العمل لم تحدد المهارات التي تريد وهي تختلف من مؤسسة لأخرى وفي قطاعات متنوعة بسوق العمل الوطني • امكانية وجود نقاط مشتركة يمكن الاستفادة منها في الجانبين للوصول إلى رؤية موحدة وطنية في ايجاد مواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. • إن فهم عملية المواءمة وتحقيق متطلباتها يستدعي النظر في مجموعة من الأمور من بينها السياسة العامة للدولة في التعليم وما تريده من التعليم، هل تريد أن تكون دولة سياحية أم تجارية، أم صناعية، وما نوع الصناعات هل ثقيله أم متوسط الخ، هذا بلا شك سيكون محدد عام يضع سياسات التعليم في إطار محدد وبالتالي هو أمر قد لا يكون لمؤسسات التعليم علاقة به بقدر ما هو رؤية عامة لسياسة الدولة وتوجهاتها المستقبلية، • إن مما ينبغي الاشارة إليه هو أن السائد في العالم المتقدم كله هو أن التعليم المدرسي خاصة لا يعد الطالب لمهارات تخصصية ، بل مهارات الحياة المرنة، كما أن توفير شخص جاهز بكل المواصفات لا يمكن لمؤسسة معينة لوحدها تحقيقه بل هو عمل وطني مشترك تتفاعل فيه جهود كل المؤسسات المعنية ببناء الإنسان وصقل مهاراته، وما أشار إليه تقرير اللجنة الدولية لتطوير التعليم من مهارات اربع إنما يمهد لمرحلة التفاعلية في البناء المؤسسي ويؤصل لثقافة التكامل وتقاسم المسؤوليات بين المؤسسات في اعداد المتعلم لمهارات الحياة المختلفة. من هنا تأت أهمية النظرة الشمولية المتسعة عند أي معالجة تتناول موضوع المواءمة، بحيث تضع في أجندتها القدرة على الاجابة عن كل التساؤلات المطروحة من قبل كل الأطراف، مشفوعة بالمعايير والمؤشرات والخطط والبرامج والأدلة ونواتج العمل والإحصائيات والأرقام والتي بلا شك تضع أطراف العمل الثلاث في مرحلة تحول جديدة تتطلب منها المزيد من التنسيق والتكامل والتفاعل والترابط وإيجاد أدوات قياس محددة وواضحة ومعايير أداء مقننه وإطار عمل محدد في إطار وطني يستشرف مستقبل المواءمة التعليمية ويضع مؤسسات التعليم العالي والتعليم المدرسي والقطاع الخاص الذي يمثل سوق العمل أمام مرحلة مهمة تضع في اولوياتها مراجعة شاملة لكل السياسات والخطط والبرامج ليست فقط على مستوى مؤسسات التعليم بل أيضا على مستوى منظومة القطاع الخاص بالسلطنة ليصل إلى مرحلة تتأكد فيها ثقة الإنسان العماني بما يمكن أن يؤديه القطاع الخاص من دور من أجل الإنسان، وثقة الحكومة بقدرة القطاع الخاص على الوفاء بتعهداته والالتزام بمسؤولياته التي تطلبتها مراحل التنمية باعتباره الشريك للحكومة في احداث التحول النوعي . إن هذا التوجه يتطلب بلا شك أن تضع مؤسسات التعليم لنفسها معايير أداء محددة، ورؤى واضحة وهي بذلك تطرح لتحول نوعي يستشرف مرحلة جديدة من العمل التنموي المشترك الذي يفترض أن تنتهج فيه المؤسسات نهج أخرى تؤكد على الشراكة والحوار ووضوح الرؤية وبناء المعايير والشفافية والصراحة المؤسسية ، وبالتالي تتحول الثقافة السائدة من ثقافة الكيل بمكيالين ورمي التهم على الآخر، والتقليل مما يقدمه الآخر من جهود ومبادرات، إلى مرحلة العمل الوطني المسؤول الذي يعمل على انجاز متحقق ، وهي في الوقت ذاته فرصة لصياغة واقع جديد يبني على النقاط المشتركة وينطلق من مؤشرات عمل محددة تتفاعل في إطارها جوانب العمل الثلاث، وتنطلق من الحرص على صياغة رؤية وطنية مشتركة واضحة في هذا الموضوع تنقل مرحلة المواءمة من التنظير إلى الفعل الذي يظهر على شكل برامج وخطط وتوجهات ومشاريع ومبادرات ونماذج عمل محددة، وبالتالي لا بد من وجود صورة واضحة للمخرج من ازمة المواءمة التي تثار بشكل مستمر دون وجود رؤية واضحة تحتويها او تترجم عملها، وعلى هذا فإن بناء رؤية واضح للقضية يخرج موضوع المواءمة من أروقة المجادلات والمناقشات القاصرة عن بلوغ الغاية وتحقيق الطموح والتي لا يتجاوز مرحلة الاتهام واثبات الذات والتنكر للأخر بما يقدمه مع أنها جميعا لا تخرج جميعها من دائرة الاجتهاد المؤسسي وتقدير كل مؤسسة للوضع والمجال الذي تعمل فيه طالما لا يوجد اتفاق وطني مؤسسي على نوعية الخريج المطلوب، هو طرح هذا الموضوع في سياق وطني على شكل ندوات ولقاءات نوعية متخصصة تجمع القائمين على هذه المؤسسات بهدف الوصول إلى رؤية وطنية موحدة تعالج موضوع المواءمة في إطار السياسة العامة للدولة وتضع مؤسسات التعليم أمام واقع فعلي يعزز من مسؤولياتها في المراجعة الشاملة لسياستها وخططها وبرامجها بما يقرب صلتها من تحقيق رؤية المواءمة المطلوبة التي يستشرفها الوطن، ويضع مؤسسات القطاع الخاص أمام مسؤوليتها الحقيقية التي تتجاوز تكهناتها في ما يقدمه التعليم من مخرجات وانطباعها القاصر عن الاثبات بالدليل والشواهد، وبالتالي دعوتها في مراجعة شاملة أيضا لسياستها وخطط وبرامجها وتشريعاتها والتزاماتها وقدرتها على احتواء الكفاءات الوطنية ، وهو ما يمكن أن يضعها امام واقع لا مجال لتجاوزه بحجج غير مقنعه، وبالتالي فهي رؤية لبناء عمل مؤسسي يتفق الجميع عليه يمكن للمؤسسات السير عليه والأخذ به، هذا الأمر أيضا يدعو مجلس التعليم إلى تبني آليات واضحة في رؤية المواءمة وإيجاد نسق محدد من الفعل الوطني القائم على التنسيق والتكامل بين مؤسسات التعليم وسوق العمل، فهل سنجد من يسعى لمبادرة وطنية بشأن المواءمة؟ هذا ما نأمله. وإلى لقاء آخر

دعوة للحوار ...

إخواني أخواتي الكرام

في عالم تتصارع فيه الأفكار وتتطلام فيه القوى ، اجزم بما لا يدع لدي مجالا للشك ان ما ينقصنا هو الحوار الايجابي البناء .

على صفحات مدونتي هذه اكرر الدعوة للحوار فلنستمع لبعضنا البعض لنعطي

الفرصه للراي والراي الاخر لنكن على مستوى الامانه التي حملنا ايها من

لدن رب العالمين وارتضينا تحملها ليكن حوارنا حوار القلب والعقل المفتوح لا حوار الطرشان

الذي لا يستمع الا لنفسه وصوته فقط . وما احوجنا في

هذه الاوقات الراهنه بالذات لهذا الحوار . ادعوكم اخوة

واخوات وافتح لكم الباب للمشاركة بامثله واقعية من حياتكم والتي ثبت

لكم من خلالها اهمية الحوار شاركونا قصصكم اوحوادث ممرتم بها واشكاليات

توصلتم من خلالها الى ان الحوار هو الحل نعم الحوار هو الحل ومهما كانت المشكله ومهما اختلفنا

. ودمتم احباء متحاورين

.................
د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
صباح او مساء ايجابي جميل ورائع ...
لكي يحياها بالايمان والحب والعمل..  

والامل والتفاؤل والايجابية.......
التسميات: | | edit post
د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
اخترت لكم هذا الموضوع للفائدة على هذا الرابط
د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
د.رجب بن علي بن عبيد العويسي


د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
(الوعي القانوني للمعلمين) و(الجودة في الإدارة المدرسية)
أحدث إصداراتي
صدر عن مؤسسة دار الكتاب الجامعي في الإمارات الإصداران الجديدان لي حول (الوعي القانوني للمعلمين) ويقع في ثلاثمائة وسبع وعشرين ورقة والكتاب عبارة عن إطار منهجي حول دور القانون في تعزيز السلوك المهني الإيجابي، وكذلك الإصدار(الجودة في الإدارة المدرسية) ويقع في مائتان وتسع وثمانين ورقة والكتاب عبارة عن أبعاد ورؤى في تطوير الممارسات في الإدارة المدرسية،علما أن الإصدارين الجديدان يتضمنان ستة فصول لكل منهما.
وتبرز أهمية كتاب (الوعي القانوني للمعلمين) في كونه أول مؤلف يتطرق لموضوع الوعي القانوني في البيئة التعليمية من خلال الوصف والتحليل والاستنتاج ،وهذا بطبيعة الحال يجعل الفائدة أعم وأشمل.كما أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في اتساع دائرة القوانين والتي تجعل من المعلم أكثر حرصا على الإلمام بها ودراسة أبعادها ونواتجها إلى جانب مراعاة ثقافة الطلاب الجديدة.
وجاء في مقدمة الكتاب:تتعدد العلاقات الإنسانية داخل المجتمع بتعدد مجالات الحياة وتنوعها سواء أكان دلك بين الأفراد بعضهم أو بينهم وبين هيئات الدولة المختلفة مما يحتم وجود قواعد قانونية تضبط هذه العلاقات وتنظمها تنظيما يحفظ للمجتمع الانتظام والاستقرار ويحقق المساواة والعدالة بين الأفراد.
فمسألة وجود قواعد القانون في أي مجتمع راشد مسألة حتمية ولن تكون هذه القواعد فاعلة ما لم تقترن بجزاء يطبق على الخارجين والمخالفين لها.وإن المعرفة القانونية ينبغي أن تعزز لدى الأفراد ثقافة الوعي بالحقوق والواجبات، وإن أهمية الثقافة القانونية بالنسبة للمعلم تكمن في قدرتها على مساعدته في تنظيم مستوى علاقاته مع الطلبة والمجتمع المدرسي والمحلي.
ومن أهداف الكتاب  - إيجاد الوعي والمعرفة القانونية لدى أعضاء الهيئة التعليمية والطلاب وأطراف العلاقة الأخرى بما ينعكس إيجابا على مستوى العملية التعليمية بأكملها، انتهاجا لضرورة قيام الدول بالتعريف بالقوانين والاتفاقات الدولية،إلى تكوين وعي عام لدى أفرادها في جميع الجوانب المتعلقة بممارسات الفرد القانونية والأمنية والاجتماعية والتعليمية،ومن بين أساسيات الوعي العام،الوعي القانوني الذي يهدف إلى تعزيز ثقافة الالتزام والحس بالمسؤولية المهنية السلوكية لدى الأفراد.
وبالنسبة للإطار العام لمضمون الكتاب فقد تناول ستة فصول بعد المقدمة والتمهيد العام:
 الفصل الأول :التربية القانونية للمعلمين في ميدان التعليم واهم ماتضمنه هذا الفصل هو نتائج البحوث والدراسات المتعلقة بالتربية القانونية للمعلمين والتربويين.
الفصل الثاني : التشريعات المهنية في سلطنة عمان في مجال التعليم وأهميتها وتطوراتها.
 الفصل الخامس: المعلم في إطار الوظيفة العامة سلط الضوء على حقوق المعلمين وواجباتهم بسلطنة عمان ووظيفة المعلم في إطار قانون الخدمة المدنية.
الفصل الرابع:الثقافة القانونية ومحددات تشكيلها لدى المعلمين ،وأهم محتويات هذا الفصل هو مصادر الثقافة القانونية للمعلمين وإبراز جهود وزارة التربية والتعليم في تعزيز الوعي القانوني. 
الفصل الخامس: الدراسة الميدانية، الإجراءات والنتائج والتفسيرات.عرض من خلال هذا الفصل المهم التحليل الإحصائي لأداة جمع البيانات وتحليل النتائج إلى جانب أهداف الدراسة ووصف أداتها.
الفصل السادس: رؤية مستقبلية لتعزيز الوعي القانوني للمعلم، والذي تحدث فيه عن التصور المقترح لهذا الموضوع.

أما الكتاب الثاني الذي جاء بعنوان (الجودة في الإدارة المدرسية) تمثلت أهميته في كونه يأتي في إطار الاهتمام بموضوع جودة التعليم باعتبارها العامل المهم في تعزيز التنافسية في عالم اليوم، في ظل تأكيد مفهوم الجودة على السعي نحو تحقيق تعليم يلبي الاحتياجات ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
وجاء في مقدمة الكتاب: إن نظام الجودة الشاملة كما تشير إلى ذلك الدراسات الإستشراقية لمستقبل التعليم واقتصادياته كانت أحد الأسباب الرئيسة لنجاح الأعمال في التسعينيات من القرن العشرين ،كما أن تطبيقها بشكل ملائم ورصد المارد والإمكانات والآليات المناسبة سوف يضمن تحقيق المؤسسة التربوية ميزة تنافسية مقارن بغيرها من المؤسسات الأخرى وهذا ما جعل بعض المفكرين يطلق على إدارة الجودة الشاملة مصطلح"الثورة الفكرية في الإدارة".
ومن أهم أهداف هذا الكتاب : وضع الآليات المناسبة في سبيل تعزيز ثقافة الجودة في البيئة المدرسية، إضافة إلى الوصول إلى مقترحات تطويرية يمكن وضعها في إطار خطة عمل لتطوير وتفعيل دور الإدارة المدرسية.
وبالنسبة للإطار العام لمضمون الكتاب فقد تناول ستة فصول من خلال تركيزه على ثلاثة أبعاد رئيسة، الأول يتعلق بالإطار الفكري للجودة وجودة التعليم وصولا إلى جودة الإدارة المدرسية ومتطلبات تحقق الفاعلية والكفاءة في أدائها ،ويمثل الفصلان الأول والثاني،والبعد الثاني الذي تمثله (الفصول الثالث والرابع والخامس) وهو البعد العملي التطبيقي الذي يعتمد على رصد الجهود المبذولة في تطبيقات الجودة في المنظومة التعليمية والمدرسة بشكل خاص وتحليلها والخلوص إلى مؤشرات حولها،بالإضافة إلى دراسة فاعلية دور إدارة المدرسة بسلطنة عمان وتوجهاتها نحو الأخذ بمفهوم الجودة، أما البعد الثالث فيتعلق بالرؤية المستقبلية التي تضمنت مجموعة الأفكار والمقترحات العلمية التي تم تقديمها في الكتاب والتي يتوقع أن تعمل على تعزيز جودة ممارسات الإدارة المدرسية والذي يمثلها الفصل السادس من الكتاب.

ادعوا الله جل وعلا أن يلقى هذان الإصداران القبول لدى المعنيين بكلى الموضوعين وان أكون قد ساهمت ولو اسهامة بسيطة في وضع أو إضافة لبنة صغيرة للمكتبة العربية .
     والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل...............

د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
في عصر التنافس على الجودة تأتي أهمية المبادرات الفردية والجماعية التي يقدمها المعلم على رأس أولويات التميز التي تنشدها المؤسسات التربوية، وحلقة متواصلة نحو التجديد والتغيير والتطوير، فالمعطيات والمتغيرات التي أفرزتها العولمة الكونية بحاجة إلى خبرات وأساليب وطاقات واستعدادات ومهارات للتعامل معها بدقة وعناية - إنها وبمعنى آخر بحاجة إلى معلم يتميز بأنه مبدع ومبتكر قادر على التفاعل مع هذه التطورات والتغيرات في كافة المجالات العلمية والتدريبية والمهنية والتكنولوجية. وفي هذا يجب أن يظل المعلم مهموما دوما بتنمية الجوانب النفسية والفكرية والاجتماعية التي تعمل على تهيئة المناخات الملائمة التربوية والصحية الآمنة في مدرسته، وفي هذا المناخ يتعلم الثقة بنفـــسه وبمن حوله والتسامح والرضا والقناعة والمساواة والعدالة والأمانة فتسري في نفسه الطمأنينة والقناعة وحب المهنة والمؤسسة والناس والعالم من حوله.

إنني على يقين بأن مدارسنا اليوم بحاجة إلى معلم مبادر يدرك دوره ويفقه مسؤوليات، يعرف حقوقه وواجباته، ويسهم بشكل فاعل في إحداث نقلة نوعية نحو التجديد والتطوير المستمر، يبادر ويشارك ويقدم مستويات متقدمة من التجديد والإسهام بالاقتراحات والتصورات في مجال تطوير وتحسين أساليب العمل، من خلال مشاريعه المتواصلة، فالمعلم المبادر في تقديري ليس إذاً أقوال بلا أفعال، وليس من يدندن للتطوير والتجديد، وهو لا يعي مفهومه ولا يدرك مقتضياته ومتطلباته؛ بل إنه من يترجم تلك الحقائق والمسلمات إلى سلوك وواقع ملموس فهو: يستمتع بالتحدي وإمكانية التعلم كنتيجة لهذا التحدي، ويظل يبحث عن وسائل جديدة لإحداث التغيير ويتساءل عن الجديد والحديث باستمرار، كما أنه يتميز بعقلية متفتحة مساهمة ومشاركة في عملية البناء والتغيير الهادف، فلا يقف من التجديد موقف المقاوم المعارض يرضى أن يستمر على ما هو عليه لأن الجديد سوف يرتب عليه مسؤوليات جديدة ومستويات عليا من التفكير والإبداع، وهو في نفس الوقت يترجم معنى الولاء والانتماء للمهنة والمؤسسة وللوطن ولقيادته إلى واقع ممارس في الفكر والسلوك، فهو منتم إلى مهنته قلبا وقالبا وليس هدفه العائد المادي من هذه المهنة، فهو معلم رسالي أكثر من كونه معلم وظيفي، وهو في نفس الوقت يلتزم بأداء الأدوار والمهام الموكلة إليه بعيد عن الذاتية والمصلحة الشخصية، بحيث تكون مصلحة المؤسسة ورقيها والنهوض بها هي الهدف الأسمى والغاية الأعلى التي يسعى لتحقيقها، وهو ذلك الذي يبتعد عن التفكير التقليدي إلى التفكير الإستراتيجي بعيد المدى الذي ينظر إلى مستقبل المؤسسة بما ينقلها إلى مرحلة السمو والريادة، كما أنه لا يقف عند حد تخصصه أو وظيفته، فتجده دائم التطوير الذاتي والتعليم المستمر، كما أن لديه شغف واهتمام بثقافة الإبداع والابتكار، يُحسن الاستفادة من استخدام الطرق والأساليب الحديثة في أدائه لعمله.

ولعلي لا أكون مبالغا إذا ما قلت أن مربط الفرس في هذه القضية ناتج من أن المفهوم السائد في أوساط المعلمين أنهم لا تقبل مبادراتهم ولا يؤخذ باقتراحاتهم، وأن عليهم فقط تنفيذ السياسة التربوية، وهو في تقديري نظرة تشاؤمية ينبغي أن نبتعد عنها على غير رجعة، وهي تشبث بأوهام وتخيلات لا تحقق للمعلم ولا للتربية والتعليم أي هدف أو تقدم، لأنها دعوة إلى الخمول وعدم الفاعلية.

والحقيقة أن وزارة التربية والتعليم ومن خلال ما أحدثته من تجديد وتطوير تدعو معلميها إلى التجديد والمبادرة والإنتاجية والعطاء المستمر، فهي ترى في المعلم أساس التطوير وسر النجاح، وهو صانع التنمية التربوية والذي يرجى منه أن يرسم سياستها على خير دليل، وفي المقابل فهو من يترجم عمليات التطوير في الواقع للوصول إلى مخرجات أفضل في العمل التربوي ويسعى من خلال ما يقوم به من ممارسات وعمليات في المواقف التعليمية إلى إبراز جوانب القوة والضعف ليجعل من نفسه خير معين للتطوير والإصلاح.

وأختم حديثي بوقفة بسيطة أسأل فيها معلمي الفاضل على وجه الخصوص، هل تريد أن تكون إنسانا ناجحا في مهنتك؟ أعتقد أن الإجابة تكون بنعم؛ إننا جميعا نريد ذلك، ولكن الفرق الحقيقي يكمن بين الإرادة وبين مباشرة الفعل لتحقيق هذه الإرادة، إن المبادرة ونوعية هذه المبادرة والجديد الذي تقدمه هي الفيصل في ذلك كله. فهلا أدركنا فعلا هذه الحقيقة؟ لعلنا نجد الجواب.



د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
ماذا يريد الطالب من المدرسة ؟ وكيف يمكن للمدرسة أن تعزز مفهوم التعلم النشط والايجابي لدى الطالب؟
ماذا يريد الطالب من المدرسة؟ وماذا يتوقع منها؟ وما توقعات المدرسة في المقابل نحو طلابها؟ ماذا تريد منهم ؟ هل استطاعت المدرسة الارتقاء بالطالب في عصر العولمة؟ وهل المدارس على إستعداد تام لتحمل متطلبات التطوير؟ من يصنع الرجال والعقول هل المدرسة أم البيت ؟ أين يمكن للطالب أن يبدع ويعطي بشكل أكبر؟ هل تتعامل المدارس مع طلابها كأفراد قادرين على العطاء؟ وهل تغيرت أهداف المدارس في الواقع من تلقين الطالب أو التعلم الإجتراري إلى التعلم المبدع وثقافة الإبداع والابتكار؟ وهل المدارس في نظر الطلاب وقلوبهم مكانا يبعث على الدافعية والإرتياح؟
إن تحديات العولمة وثورة المعلومات ووسائل الإتصال المختلفة ودخول التعلم الإلكتروني والثقافة الإلكترونية والحاسوب في موقع العمل التربوي المدرسي، والتغيرات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والفكرية وما تبعها من ظهور بعض القضايا المتعلقة بالأمن والسلوك في المجتمع كانتشار الجريمة والعنف والإنحراف تفرض على المؤسسة التربوية اليوم ضرورة مواكبة تطورات العصر واللحاق بركب الحضارة البشرية وذلك بما يتيح لتلك المدرسة القدرة على البقاء والإستمرارية في زمن أصبح فيه البقاء والعيش للأصلح، ولقد أصبح واضحا بأن من يملك ناصية العلم والتكنولوجيا والمعلومات له حق البقاء.
ويرى ( Garland & Grace, 1994) بأن المدارس اليوم تواجه مجموعة من التغيرات التي تتطلب منها بالتالي العمل على صياغة جديدة وفعالة في عالم التغيرات، وأن تضاعف جهودها لتتمكن من تلبية مطالب الطلاب بما يسهم في تحقيق التواصل مع الطالب وتواصل الطالب مع المدرسة بعد تخرجه، وذلك باستخدام مبادئ إدارة الجودة الشاملة في البيئة المدرسية وتعديل البرامج والخدمات التي تقابل الحاجات المتغيرة للطلاب.
ولا شك فإن الطلاب هم القلب والجوهر في كل ما سبق من رؤى، واللحاق بالركب والتقدم العلمي لن يحدث إلا بهم ومن خلال إعدادهم لحمل ومواجهة تلك التحديات والتغيرات وبالتالي أهمية أن نفتح لهم أبواب الإستفادة من كل إيجابيات التقدم، كما ان تحقيق تلك الأهداف والوصول إليها لن يتاتى إلا من خلال تطوير نظم التعليم والذي يتم من خلال تأسيس مدرسة عصرية بما تحويه الكلمة من معنى، أهدافا ورؤية، ومنهجا ومتعلما، ووسائل وتجهيزات، ومناخا فعالا - وهو ما تسعى وزارة التربية والتعليم لتحقيقه.
إن هذا الأمر يحتم ضرورة التعامل مع هذا التحدي والتعامل مع معطياته لتمكين الطلاب من العيش في القرن الحادي والعشرين وهم مسلحون بلغة العصر الجديد ومفاهيمه وآلياته بالقدر الذي يؤهلهم للتعامل الجيد مع آليات العصر واحترام الوقت وإستثماره والقدرة على التكيف مع الظروف المحيطة.
وإذا كانت المدرسة في بداية ظهورها تهدف إلى تلقين الطلاب المعلومات وهم يقومون بدورهم في نقل تلك المعلومات وإجترارها دون فهم او تمحيص، فإن مدرسة اليوم تختلف عن مدرسة الأمس من حيث خططها وأهدافها وبرامجها ورؤيتها نحو طلابها وتوجهاتها المستقبلية ومنهجيتها في العمل والتعامل، ومعنى هذا أن تلك التغيرات تملي علينا أن ندرك حقيقة الدور الذي يفترض أن تلعبه المدارس في المستقبل، إذ يطلب منها إلإهتمام بإعداد طلابا قادرين على مواجهة تحديات العصر، مسلحين بالمعرفة والمهارات والاتجاهات وملتزمين بالعمل من اجل تحقيق اغراض التنمية الوطنية، لديهم من القدرات والإبداعات التي تساعدهم في العيش في عصر العولمة.
وقد أشار ( Gitterman & Others, 1995) إلى أن الرؤية الجديدة لمدرسة القرن الحادي والعشرين هي العمل بفاعلية نحو مستقبل الطالب وحياته الوظيفية وإعداده للحياة المهنية، وإكسابه مهارة إتخاذ القرار، والتعليم والتدريب المستمر، وبالتالي فإن ذلك يعني بأن المدارس ينبغي أن تتصرف بأسلوب مخطط ومنظم، كما يجب أن تفهم المدرسة أهمية تزويد الطالب بتجارب التعلم خارج أسوار المدرسة وإسترايجيات صنع القرار والتعليم عن بعد والتدريب.
فالمدرسة يمكنها ومن خلال جهود العاملين بها أن تسهم في تحقيق الإنجاز الأكاديمي للطالب وذلك عن طريق العمل على تحسين مناخ المدرسة وذلك بإشراك الطلاب في العملية التعليمية التعلمية، وإكسابهم المهارات الدراسية المختلفة مثل: التدريب، إدارة الوقت، زيادة الدافعية والحوافز الطلابية، وإشراك الطلاب ودعم المجموعات الطلابية بهدف زيادة التحصيل الدراسي والإنجاز، وزيادة إشتراك الآباء في العملية التعليمية التعلمية( Brown, 1999 ).
كذلك فإن على المدرسة أن تعمل على محاول إيجاد التكامل في جوانب شخصية الطالب من معارف وثقافة يستطيع من خلالها أن يفهم نفسه ودوره وما حوله وواقعه وما هو مطلوب منه؟ وقيم ومبادئ يسترشد بها في توجههه ويتميز من خلالها بشخصيته ويحافظ بسببها على وجودة وهويته وكيانه، ومن مهارات وقدرات تعينه على السير بخطى متقدمة نحو الأمام ليفهم بها مهنته ووظيفته، فمن خلال نظر المدرسة إلى هذه الأهداف تتضح لنا الرؤية التي نريد أن نحققها لطلابنا، وما يمكن للمدرسة المساهمة به في إعداد طالب المستقبل وما الذي نريده لطلابنا في المستقبل سواء كان تحصيل علمي، تعلم مهارة معينة...إلخ.
ويمكن رؤية متطلبات الطالب للألفية الثالثة في ثلاث جوانب رئيسة هي:
1) البناء التربوي والتعليمي للطالب ( المعرفة والثقافة).
2) بناء شخصية الطالب ( القيم وصقل الهويه).
3) بناء قدرات الطالب ( المهارات ).
أولا: البناء التعليمي:
ويمكن معالجة هذا الجانب من خلال تأثير مجموعة من العوامل التي تشكّل بدورها عناصر رئيسة في البناء التعليمي التعلمي للطالب وهي: رؤية المدرسة، المناخ المدرسي، دافعية الطالب، المعلم، المنهج المدرسي، الأسرة. وحول ذلك يمكن إثارة الأسئلة التالية:
إلى أي مدى تربط المدرسة الطالب بالحياة؟ ما رؤية المدرسة وتوقعاتها نحو طلابها؟ وهذا يؤدي إلى التأكيد على اهمية أن تضع المدرسة رؤية إستراتجية واضحة لها بشان طلابها ونظامها التعليمي للمستقبل.
هل هدف المدرسة من إنجازها برنامج تعليمي تنمية مدارك الطلاب، أم تنمية المهارات والقدرات العقلية، أم زيادة حصيلة الطالب الثقافية ومعارفه ومعلوماته العامه؟ وينبغي أن تضع المدرسة في أولوياتها حقيقة مهمة وهي مساعدة الطالب في مواجهة متغيرات الحياة وصعوبتها ومشاكلها وبناء الطالب بناء نفسيا وعقليا ووجدانيا - وهو ما ينبغي للمدرسة أن تقوم به وتعد الطالب له في ظل العولمة- ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية لما يزيد عن 1300 طالب مدرسة ثانوية تم إستطلاعهم حول ما يفكرون به ويتوقعونه من مدارسهم، أشارت نتائج الدراسة على أن إستجابات الطلاب بخصوص ما يريدونه من مدارسهم تكمن في الجوانب التالي: التطلع نحو الإستقرار والإنضباط ، البناء التنظيمي ، التفويض ومنح الصلاحيات لهم من قبل المدرسة، وتعليم القيم الأخلاقية مثل الأمانة والصدق والوفاء ( Lumsden, 1997 ).
هل المناخ السائد بالمدرسة يساعد على تحقيق عمليتي التعليم والتعلم؟ ما نوع المناخ السائد بالمدرسة هل هو مناخ إبداعي يشجع عمليات الإبداع والإبتكار والتجويد والتطوير أم غير ذلك؟
هل جعلت المدرسة الطالب يبحث عن المعلومة وكيف؟ وما الوسائل المتاحة في ذلك والتي كان لها الأثر الكبير في إستثارة دافعية الطالب نحو التعليم والتعلم؟ هل تستثير المدرسة دافعية الطالب نحو عمليتي التعليم والتعلم؟ وفي ذلك تعمل المدرسة على جذب إهتمامات الطلاب وتحقيق فاعليتهم وتفاعلهم مع زيادة دافعيتهم للتعلم بما يفعّل من عملية التعلم ويرفع من قيمتها، كما تقوم هذه المدرسة بإتاحة الفرصة لمن يواجهون صعوبات في التعلم وتنقصهم الدافعية والثقة في النفس للتقدم في التحصيل الدراسي من خلال ما تقدمه لهم من مصادر الجذب والتشويق والإثارة.
هل يستخدم المعلمون طرقا عملية فاعلة في إستثارة دافعية الطلاب نحو التعلم، وفي تدريس المنهج المدرسي وهل هذه الطرق المتنوعة تحقق رغبات الطلاب ووصولهم إلى التحصيل الجيد، وهل هذه الأساليب التي يستخدمها المعلمون كفيلة بتحقيق أهداف المنهج المدرسي؟
هل تتيح المدرسة فرصة إبراز الطلاب لمواهبهم وقدراتهم؟ وذلك من خلال تهيئة الفرصة لدى الطلاب لتنمية وصقل مواهبهم وقدراتهم العلمية والأدبية والثقافية والفنية وتمكنهم من الإنطلاق بقدراتهم في إطار منظم وبرامج تستثمر إمكانياتهم المتميزة وترعاهم لكي يكونوا مبتكرين ومبدعين.
هل تعمل المدرسة جاهدة في توظيف التكنولوجيا العصرية لخدمة الطالب؟ هل تقدم المدرسة أفضل مستويات التعلم والتعليم لمختلف فئات المتعلمين مع مراعاة مستوياتهم وقدراتهم العقلية والفروق الفردية بينهم؟ ويتطلب هذا بالتأكيد مراعاة الفروق الفردية وإشباع إحتياجات كافة الطلاب وتنمية ميولهم ومراعاة الموهوبين والمبتكرين والإهتمام بحالات صعوبات التعلم.
إلى أي مدى ترتبط المناهج الدراسية بحياة الطالب ؟ هل المنهج المعد الذي يدرسه الطالب يتناسب ومستوى الطالب العقلي ومداركه الفكرية ؟ وهل يستثير المنهج المدرسي دافعية الطالب نحو التعليم والتعلم ؟ وهل تساعد المعلومات الواردة في المنهج المدرسي في تلبية حاجات الطالب ورغباته ؟ ما هو الحّيز المعطى في كثير من المدارس لبناء الطالب من خلال عمليتي التعليم والتعلم؟ هل تطبق المدرسة المناهج العصرية المتطورة والتي تتفاعل مع متطلبات العصر ؟ وفي ذلك ينبغي أن لا تغفل هذه المناهج إحتياجات الطلاب والمجتمع ومنظومة القيم السائدة وقدرات الطلاب، وذلك من خلال إستخدام كل الوسائل والأدوات التكنولوجية العصرية الحديثة بحيث نتجنب الإسقاطات في هذه المناهج بما يتلائم ويتوائم مع البيئة والطالب والقيم ويضمن لنا الإستفادة من التقنيات الحديثة وتوظيف التكنولوجيا بما يخدم الطالب والمجتمع بشكل عام.
هل ترتبط المناهج الدراسية بالبيئة المحلية وإحتياجات الطالب والمجتمع؟ وفي سبيل ذلك تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين وفي نفس الوقت تتيح الفرصة لإكساب المتعلمين مهارات عليا في التفكير.
هل يعمل المعلمون بالمدرسة على تشجيع الطالب على التعلم؟ وهل يتيح المعلمون لهم فرصة التعبير عن أرائهم وإبراز قدراتهم ؟ ولهذا ينبغي من المعلم أن يكون منفتحا على العالم مطلعا على كل ما هو جديد في مجال تخصصه قادر على العطاء والإبداع ، مرن في تعامله مع طلابه.
هل يجعل المعلمون الطلاب يشعرون برغبتهم وإيجابيتهم نحو المادة الدراسية التي يدرسونها؟ ولا شك فإن لذلك أثره الإيجابي على طرحهم للأفكار والمفاهيم الجديدة للطلاب وإستخدامهم لمصادر التعلم المختلفة. وفي ذلك يخاطب( Kordalewski,John 1999 ) المعلم بقوله: ليس المهم كيف تشرك الطلاب وتأخذ بآرائهم في انشطة الصف، ولكن المهم كيف يمكن أن تساعد وتسهم في نمو تلك الآراء ووجهات النظر وخلق الأوضاع التي يعبر فيها الطلبة عن آرائهم وتوجهاتهم داخل الفصل وخارجه.
هل يعتقد المعلمون بالمدرسة بأن جميع الطلاب يمكنهم الوصول إلى مستويات عالية في التعلم؟ هل يستخدم المعلمون بالمدرسة طرق تدريسية متنوعة تلبي إحتياجات الطلاب؟
هل تحدد المدرسة من خلال معلميها مستويات إنجاز عليا للطلاب على مختلف مراحلهم وقدراتهم الذاتية؟
هل تتفهم المدرسة التأثيرات الإيجابية الناتجة عن مشاركة الأسرة على تعلم الطلاب وتدخلها في تربية الطلاب؟ هل تتيح المدرسة للآباء والطلاب الفرصة في إخبارها بتوقعاتهم نحو التعلم ؟ هل أسهمت حقا العلاقة السائدة بين المدرسة والمجتمع في تكوين البناء التعليميي للطالب ؟
ثانيا: بناء الشخصية:
هل أدت المدرسة دورها في غرس القيم والمبادئ والسلوكيات الصحيحة في نفوس الطلاب؟ هل تتابع المدرسة سلوك الطالب والتغيرات الحاصلة في سلوك الطلاب من مرحلة لأخرى باستمرار؟ هل تعمل المدرسة على دراسة الظواهر السلوكية في المجتمع المدرسي وتحليلها لمعرفة اسبابها والنتائج المقترحة لعلاجها؟ هل تهتم المدرسة بالطالب نفسيا وسلوكيا كاهتمامها به من ناحية التحصيل الدراسي؟ هل تعمل المدرسة على إشراك الآباء ومؤسسات المجتمع الأخرى في علاج المشكلات السلوكية للطلاب؟ هل تعمل المدرسة على الإهتمام بالطلاب وبناء ذواتهم وشخصياتهم النفسية والروحية؟ هل تقوم المدرسة بدورها في غرس القيم والأخلاق والأفكار الإيجابية وتعزيز الإيمان والثقة لدى الطالب بأهمية المستقبل والإستفادة من التطوير الإيجابي في بناء الفرد الصالح؟ هل غرست المدرسة في نفوس الطلاب معنى وقيمة المواطنة الصالحة؟ هل تعزز المدرسة الهوية الذاتية للفرد بإنتمائه وولائه وتولد لديه أهمية المبادأة والمبادرة في تحقيق الأهداف السامية؟ هل عملت المدرسة على تفعيل وتطوير طرائق التدريس والتقويم؟ فإحداث تنويع وتطوير في طرائق التدريس والتقويم من شأنه ان يؤدي إلى إيجاد جيل واع بما يدور حوله في العالم وفي نفس الوقت لا يفقد هويته الوطنية قادر على الإبداع والتنبؤ بالمستقبل.
هل إقتصرت إهتمامات المدرسة بالطالب في تنمية الجانب المعرفي لديه أم أنها أعطت البعد الإجتماعي اهميته في عملية التعليم؟ لهذا فإن المدرسة اليوم تواجه تحديا بارزا في بناء جيل مستقبلي يمتلك مقومات النماء والتكيف مع واقعه ومدركا أن الفرد بطبيعة الحال إجتماعي بطبعه مدني بفطرته ولهذا فليس عليه أن ينغلق على نفسه ويحجر فكره وعقله بل عليه أن ينفتح على العالم ويأخذ منه ما يستطيع به فهم العالم حوله ويحفظ له موقعه ومكانته وسبيل وجوده، وبما يحفظ له ثوابته القيمية والإجتماعية والحضارية التي تمثل أساسا لهوية الفرد في عالم سريع التغير.
هل عملت المدرسة عل تحصين الطالب من كثير من الأخطار التي تهدده والتي أفرزتها ظاهرة العولمة؟ وفي ذلك إبرازا لدور المدرسة في تحصين الطالب بالقيم والمبادئ لمواجهة بعض الظواهرالسلوكية كالإنحراف والإنحلال الخلقي والتفكك الأسري والمخدرات والعنف والجريمة والإنتحار والتخريب واللامبالاة والبعد عن تحمل المسؤوليات والتمرد على النظام والقانون وغيرها من الاثار السلبية التي افرزتها العولمة وسيطرة التكنولوجيا على الثقافة والحضارة وبالتالي فإن دورالمدرسة يكمن في تبصير الطالب وتوعيته بذلك وغرس الحس والشعور الأمني لديه بأهمية الأمن والإستقرار في التطوير والتقدم وخطورة إنتشار واستفحال مثل هذه الأحداث على الفرد والمجتمع والوطن، وفي ذلك تأكيدا لما ذكرناه سابقا من أن دورالمدرسة الفعالة لا يقتصر عند تطوير معارف وقدرات الطلاب بل لا بد من تكامل هذه الجوانب لصياغة وتشكيل طالب الألفية الثالثة .
إن هذا الدور في حقيقة الأمر لا يقل أهمية عن دور المدرسة في توظيف التكنولوجيا لخدمة الطلاب أو إثراء معرفة الطالب وثقافته ومهاراته إن لم يكن أكثرها أهمية وأدقها خطرا خاصة في ظل الفجوة الكبيرة التي اوجدتها العولمة بين القيم والفرد. فالتربية بلا أخلاق أو قيم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحقق أهدافها السامية، والمدرسة التي تجعل غرس القيم والمبادئ والأخلاق والسلوكيات الصحيحة في نفوس الطلاب آخر أولوياتها لا يمكن أن تصل بالتالي إلى تحقيق المواطنة الصالحة والإنتماء والولاء التي تشكل جوانب أساسية ينبغي أن نكسبها ونغرسها في طلابنا بعد تخرجهم بحيث تصبح هذه المبادئ أسس رئيسة ينطلقون من خلالها في المجتمع المحلي ويتعاملون بها مع العالم الخارجي.
ثالثا: بناء القدرات
ما هو الحيز المعطى في المدارس لبناء قدرات الطالب العقلية والفنية ؟ وما المساحة التي تعطى لنشاط الطالب في المدرسة؟ وهل المدارس بتلقينها وبحثها في إعطاء المعلومة للطالب تكشف عن قدرت الطالب أم أنها تساهم في كبت هذه الطاقات والقدرات وقتلها داخل الصفوف ؟ وهل عملت المدارس على توفير فرصة إكتشاف الطالب لقدراته؟ هل يعمل المناخ المدرسي السائد بالمدرسة في تنمية المهارات وإظهار المواهب ؟ هل توظف المدرسة التقنيات الحديثة بشكل جيد لتطوير وتنمية مواهب وقدرات الطلاب؟ هل تعمل المدرسة على تسهيل وتيسير أقصى جوانب النمو لكل متعلم بعمل التحولات الأكاديمية المناسبة والملائمة والبناء على المعرفة السابقة للمتعلم والتجارب والخبرات والمهارات واسلوب التعلم من خلال إكساب الطلاب المهارات المختلفة للعمل المهني أو الوظيفي؟
إن المدرسة اليوم وحتى تتوافق ومتطلبات الطلاب في العصر الجديد عليها أن تسعى جاهدة على غرس مجموعة من المهارات والقدرات في الخريجين وتنمية كفاءاتهم فالتفكير الناقد وروح الإستقلالية والإعتماد على النفس وروح العمل الجماعي والقدرة على تطبيق ما يتعلمه الطالب والإستعداد لدخول الحياة المهنية والثقة بالنفس والمسؤولية المدنية والوعي والإدراك لما يدور في العالم والقدرة على إتخاذ القرار ومحاولة إستيعاب ما يدور في العالم من تغيرات عالمية محيطة، هذه وغيرها مهارات ينبغي أن يتسلح بها طالب الألفية الثالثة.
هل تعمل المدرسة جاهدة في توظيف التكنولوجيا العصرية لخدمة مستقبل الطالب؟ هل تعتمد المدرسة في منهجيتها على تطبيق التقنيات الحديثة في التعليم والتعلم؟ وذلك من خلال الأخذ بتقنيات التعلم الحديثة كأساس في التعليم، والعمل على توفير تقنيات التعليم والمعلومات في الممارسات التدريسية والإدارية والفنية بالمدرسة وبالتالي تدريب المتعلمين على إستخدام تلك التقنيات ووسائل الإتصال الحديثة بما يحقق لهم فهم دقيق لها وممارسة وتطبيق عملي لها في الواقع.





د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
لقد ساهمت رؤية تطوير التعليم المدرسي في السلطنة وما احتوته من توجهات نوعية ابتكارية في تعزيز جوانب المبادرة لدى المعلمين والتربويين على حد سواء، نتيجة تنوع الخيارات التعليمية التي تمخضت من رؤية تطوير التعليم المدرسي في إطار أولويات الرؤية والبدائل التطويرية التي صاحبتها في جميع مجالات العمل التربوي، وتعزز مبدأ المبادرة والتجديد وأهميتها في التفاعل مع متطلبات التطوير التربوي ، حيث فرضت هذه القناعات على التعليم بالسلطنة أن يواكب المتغيرات العالمية وبالتالي أن يكون تعليم ذي جودة ملبي للاحتياجات، إن هذا التنوع والشمولية التي يتميز بها النظام التعليمي بالسلطنة يمكن أن تكون فرصة داعمة في تعزيز جوانب المبادرة والتطوير وتأكيدهما في قناعات المعلم والتربوي على حد سواء، وفي ممارساته، لتصبح ممارساته ومبادراته وما يطرحه من أفكار وبدائل وخياراته، مبنية على تحليل دقيق ودراسة واعية ونقد بناء ، وفي إطار من الدراسة الواعية لاحتياجات الواقع ومتطلبات المستقبل؛ لقد حملت رؤية التعليم المدرسي في أهدافها وغاياتها الكثير والكثير من التوجهات التطويرية النوعية التي تفتح المجال لمزيد من التجديد والابتكار والتطوير ومراجعة الذات وتقييم الممارسات في مرحلة غلب عليها معيار التنافس وتقديم الأفضل من خلال إيجاد خيارات متعددة وبدائل متنوعة في إطار يراعي الاحتياج الفعلي والإمكانيات المتاحة ويعزز من مستوى الطموح القائم على تحقيق الأهداف والتنبؤ بالنتائج.
وتأتي أهمية المبادرات في كونها تعمق من مفهوم الجدارة في الأداء والرقي في الفكر والسمو في التفكير والايجابية في الممارسة ، وتعزز لدى الفرد مبدأ الانتماء المهني والولاء الوظيفي ، والإحساس بالمسؤولية، والانتقاء والاختيار بناء على تجربة ومران، وبالتالي نقل المعلم والتربوي إلى مرحلة التأمل والانفتاح والمسؤولية والثقافة المؤسسية الواعية المدركة للتطورات الحاصلة في المؤسسة والمستجيبة لكل التجديدات الحاصلة بها، والتي تؤكد على العمل الجمعي، مع إعمال التحليل والنقد البناء وتوظيف تجارب الحياة والاستفادة من تجارب الآخرين في سبيل الرقي بفكر العاملين الآخرين في المؤسسة التربوية وتعزيز ثقافة الجودة والتطوير في كوادرها البشرية.
من هنا فإن تلك الفرص التي ساهمت رؤية تطوير التعليم المدرسي في خلقها وتكوينها ، تؤكد أهمية المبادرات الفردية والجماعية التي يقدمها المعلم باعتبارها أحد السبل التي تضمن وصول المؤسسة التعليمية إلى مستوى من الجودة والفاعلية، ناهيك عما يمكن أن تقدمه تلك المبادرات من إيجابية وتعزيز لرصيد المؤسسة التربوية كمنظمة متعلمة تتعلم ذاتها، بحيث تمتلك من القدرات والاستعدادات والطاقات ما يساعدها على ترتيب أوضاعها والاستفادة من الخبرات والتجارب المتوفرة، وتفعيل هذه الخبرات وتطويعها بما يسهم في التفاعل مع التحديات والتغيرات والاستفادة من الفرص المتاحة لها، بما يسهم في تحقيق جودة عالية في العمل ومخرجات الأداء.
إن من يمن الطالع الإشارة أيضا إلى أن التطوير الحاصل في منظومة التعليم واكبه تطوير في نوعية الاهتمامات والمبادرات التي بدأ تطرح في الحقل التربوي والتي يتوقع لها المزيد من الابتكارية والموجهة بما يرقي من عمليات التطوير ويضعها موضع التنفيذ ، كما أن ما يمكن أن نشير إليه في هذا المقام هو أن التوجهات التطويرية لتطوير التعليم المدرسي راعت من بين الجوانب التي أعطتها أولويتها هو الاستفادة من خبرات الآخرين والتجارب التطويرية في الدول ذات الأداء التعليمي المتطور، وفي نفس الوقت اهتمت بضرورة أن تبني عمليات التطوير على قناعات المجتمع العماني وأخذ رأي الحقل التربوي في برامج التطوير التربوي وإشراك المجتمع المحلي بفاعلية في خطط التطوير التربوي من جهة والاستفادة من رأيه ومقترحاته التطويرية من جهة أخرى، وهذا بدوره ساهم في تحقيق التنوع والشمولية والمرونة في التعاطي مع هذه الاتجاهات مما ساهم في مزيد من الابتكارية والحاجة إلى إعمال الفكر والتنويع في محتوى المبادرة ومضمونها وغايتها وأهدافها بشكل يعكس متطلبات التطوير التربوي ويعزز الممارسة الفعليه في إطار من المرونة والواقعية بعيدا عن الشكليات والطموحات التي لا تنزل إلى مستوى العمل والواقع.
لقد أتاحت الإجراءات التي اتبعتها الوزارة في هذا الشأن، فرصة التأكيد على حسن التوجه نحو تعزيز وعي الحقل التربوي بأهمية المبادرات النوعية والإبداعية والتي تحمل رؤية تطويرية يمكن أن تخدم واقع التطوير التربوي وتوجهاته المستقبلية، بدءا من تشكيل لجان المبادرات والمشاريع على مستوى ديوان عام الوزارة والمناطق التعليمية والتي من بين أهدافها: بناء قدرات وطنية قادرة على التجاوب مع متطلبات التطوير التربوي وإثرائه بمرئياتها وأفكارها العملية، وإتاحة الفرصة للعاملين في الحقل التربوي لمزيد من المبادرة والتجديد والتطوير التي تحمل في طياتها ثقافة الجودة والابتكارية في المؤسسة التربوية، ، بالإضافة إلى أن المناشط التربوية والبرامج والمسابقات التي تبنتها الوزارة والتي صاحبت رؤية التطوير التربوي ساهمت بلا شك في تجديد الفكر التربوي وتعزيز الثقافة الايجابية لدى العاملين في الحقل التربوي، وإن من بين ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد ، أن الوزارة اتجهت في ظل رؤية تطوير التعليم المدرسي نحو تشجيع إقامة الملتقيات السنوية للمعلمين في المناطق التعليمية المختلفة، من أجل إشراك المعلمين والتربويين في تطوير العملية التربوية التعليمية، بحيث يتوقع أن تُسهم هذه الملتقيات في تقديم خلاصة التجارب والدراسات البحثية المتعددة، من خلال تبادل الأفكار التربوية وطرح التحديات التي قد يواجهها المعلمون في العملية التعليمية التربوية، بما يُسهم في تعزيز الدافعية نحو العمل البنّاء والأخذ بهذه النتائج لكي يتم الاستفادة منها.
كذلك شكلت مسابقة المعلمين والتربويين في الحقل التربوي خطوة مهمة في مسيرة التطوير الذي تنشده وزارة التربية والتعليم على كافة الأصعدة، فالمعلمون والتربويون هم المستهدفون، ورعاية المجيدين منهم ومبادراتهم التربوية، وإثراء الفكر التربوي بكل ما هو جديد أهم الغايات الانمائية والتطويرية للمسابقة، وهي في حد ذاتها تعكس النظرة المستقبلية للوزارة وما توليه من اهتمام بالمعلمين والعاملين ورعايتهم في الحقل التربوي، حيث أصبح إثراء الفكر والطرح التربوي من خلال تنوع البحوث والدراسات والكتب العلمية والمشاريع والتجارب والبرامج الالكترونية، من الأمور المهمة في مختلف النظم التربوية العالمية، عليه تظل هذه المسابقة مكسباً تربوياً هادفاً، وتوجهاً سليماً وضرورياً، يُعبر عن رؤية بعيدة وشاملة لمختلف التوجهات الحديثة.
وسعيا نحو إتاحة المناخ التربوي المناسب للمعلم والتربوي، فقد سعت الوزارة إلى تنفيذ المنتدى التربوي الصيفي في أثناء تنفيذ مهرجان صلالة السياحي في شهر يوليو من كل عام تزامنا مع فصل الخريف حيث تطرح فيه العديد من البرامج التربوية المناسبة والتي تعزز من بناء قدرات الكادر البشرية بهذه الوزارة وتتيح لهم فرص اللقاء بالعديد من التربويين من دول مختلفة، ... إذ تقوم الوزارة فيه بدعوة العديد من الخبراء والتربويين من دول مختلفة، وهو يحمل في طياته رؤية استشرافية تعزز من مفهوم المبادرة والتجديد، مع ما يتضمنه المنتدى من برامج تدريبية وترفيهية وعروض للتجارب الميدانية، التي تسهم في تجديد نشاط المعلمين والعاملين في الحقل التربوي، وإضافة الجديد لخبراتهم ومهاراتهم وابتكاراتهم.
وسعيا نحو الاستفادة من تجارب ومبادرات المعلمين وتعزيز مستوى الكتابة الإبداعية لديهم من خلال الاطلاع على المستجدات والقراءة الواعية لقضايا التربية والتعليم فقد ساهمت رؤية الوزارة في تعيين موقعها على الإنترنت( المنتدى التربوي) وفي إصدار الوزارة لدورية( التطوير التربوي ) والتي تهدف إلى نشر إبداعات المعلمين والتربويين من أساليب وطرائق التدريس وغيرها من الموضوعات التي تخدم رؤية التطوير التربوي تعتبر سانحة لمزيد من المبادرة وتقديم المرئيات التطويرية.
وليس هناك مجالا للشك في أن هذه الإجراءات وغيرها التي اتخذتها الوزارة هي دعوة صادقة للمعلم والتربوي وجميع العاملين في الحقل التربوي نحو التجديد والمبادرة والإنتاجية والعطاء المستمر، إن المبادرة ونوعية هذه المبادرة والجديد الذي تقدمه هي المعيار الذي يتمايز بشأنه التربويون على أمل أن تقدم هذه المبادرات الترجمة الفعلية لرؤية التطوير التربوي وتتأكد من خلالها حقيقة الوعي التربوي والمسؤولية المهنية.
واستكمالا لما تم ذكره سابقا فإن نظرة للواقع لتؤكد نجاح التوجه الذي رسمته الوزارة بشأن تعزيز الوعي بأهمية المبادرات في الحقل التربوي، إن المطلوب من الوزارة في المرحلة القادمة هو التركيز على المعايير المبنية على عمليات الانتقاء والاختيار الواعي لهذا المبادرات بما يعكس صدق التوجه نحو المطلوب من هذه المبادرات والأثر الذي يمكن أن تحدثه في إثراء منظومة العمل التربوي من جهة ، ومن جهة أخرى سعيا من الوزارة نحو إتاحة الفرصة لتقديم المبادرة النوعية المتعمقة التي تراعي متطلبات الواقع وتوجهات المستقبل وتستجيب للمتغيرات الحاصلة في المنظومة التعليمية، في إطار من التحليل الاستراتيجي الذي يراعي متطلبات الواقع ويرصد التحديات ويستفيد من الفرص ويضع الأطر العامة للتعامل مع التهديدات المتوقعة وهي أسس مهمة ينبغي أن تتوفر في محتوى المبادرة التربوية.

د.رجب بن علي بن عبيد العويسي
الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية
التحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي
إن أهمية الحديث عن المثقف ودوره في إطار التنمية المستدامة إنما تنبثق من أهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع إليها، وعند التطرق لدور المثقف في التنمية فمن المهم الإشارة إلى تباين آراء الباحثين والمفكرين بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم حول مفهوم المثقف، فالبعض يرى أن مفهوم المثقف بشكله المبسط يعني منتج الثقافة بأنماطها المتعددة، في حين أن البعض الآخر من الباحثين والكتاب يرى أن المثقف، هو الذي يمتلك قدراً من الوعي والرؤية والثقافة والاطلاع على الأنماط المتعددة للثقافة.

وهذا الأمر يتطلب جهداً متواصلاً من المثقف لمتابعة حركة التطوير والتحديث لأنماط الثقافة المختلفة. فالمثقف هو الذي يطور الأساليب والأنماط السلوكية والثقافية، ويزودها بالعناصر والمعطيات الجديدة التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان، وتتطلبها حاجات الناس وضروراتهم في كل زمان ومكان فهو رقيب وهو صاحب موقف من القضايا الاجتماعية المطروحة، وهو مطور وقارئ جيد للمستقبل ولسيناريوهاته المحتملة في نفس الوقت، وهو قادر على التعامل بإيجابية مع ثقافة العولمة، وانتقاء العناصر الجيدة منها وترك العناصر الرديئة في ضوء المعايير المتسقة مع التصور الاجتماعي العام (علي مدكور، 2001: 160).
ولعل ما سبق يشير بوضوح إلى ضرورة أن ينطلق دور المثقف في التنمية الثقافية في المجتمع في الألفية الثالثة من أربعة جوانب رئيسة تشكل بمثابة معايير للمثقف المتميز وهي: مدى قدرة المثقف على المواءمة بين الأصالة والمعاصرة. ومدى إيمان المثقف بمفهوم التواصل الحضاري والثقافي وتقبل الذات والآخر. ودور المثقف في تعزيز الهوية الذاتية والثقافية. والإجراءات والمبادرات التي قام بها المثقف لتعزيز دوره في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.
لماذا الحديث عن دور المثقف العماني؟

إن الحديث عن دور المثقف ينبني على مجموعة من المبررات، فلعلنا ندرك جميعا جوانب التطوير الحاصلة في المجتمع العماني في ظل العهد الزاهر لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وتأكيد جلالته على أهمية تحقيق التنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة والتي يعتبر الإنسان العماني هو غايتها، مما يعني ضرورة أن يسهم الإنسان العماني بدور فاعل في تحقيق متطلبات هذه التنمية وتعزيز دور السلطنة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، مما يعني ضرورة أن يقوم المثقف العماني بدور فاعل في خدمة قضايا التنمية المستدامة للمجتمع، وأن يكون له دور بارز في خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية والفكرية والاقتصادية في مجتمعه، سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، ولا شك بأن المثقفين هم أول من يعنيهم شأن التطوير والتجديد وتعزيز قيم الانتماء والولاء لهذا المجتمع.

كما أنه من نافلة القول أن نعلم جميعا أنه لا يمكن وضع سقف للتقدم الثقافي في عالم سريع التطور، دائم التغير بل والتحول، فتصُّرف من هذا النوع يعني وقف نمو المجتمع وتطوره، والإخلال بشروط بقائه ونمائه. ويتفق الباحثون على أن البشرية تمكنت خلال العقد الماضي من تحقيق تقدم علمي هائل ربما يفوق ما استطاعت أن تنجزه خلال تاريخها على هذا الكون بأكمله، "حيث أصبح حجم المعرفة يتضاعف بمتواليات هندسية يصعب ملاحقتها ومتابعتها في كل التخصصات. كما أن العولمة الكونية والاتساع في مجال المعرفة والتكنولوجيا والاتصالات، وكذلك واقع التنمية المستدامة التي تشهدها السلطنة وعمليات التطوير والتحديث الجارية في كل مجالات الحياة ومنها المجال الثقافي أو التنمية الثقافية والتي بلا شك تعتبر ركيزة أساسية للتنمية الشاملة في المجتمع، والدور الذي ينبغي أن يقوم به المثقف العماني في سبيل تحقيق ركائز التنمية الثقافية، كل ذلك يشكل مبررات مهمة في سبيل تفعيل دور المثقف في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.
ولعل تلكم التظاهرات الثقافية المتنوعة التي تشهدها السلطنة في إطار التنمية المستدامة والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: مسقط عاصمة الثقافة العربية 2006م، مهرجان مسقط، معرض مسقط الدولي للكتاب والفعاليات الثقافية المصاحبة له، المنتدى الأدبي، ونادي الصحافة، ومهرجان الشعر العماني ومهرجان صلالة السياحي وغيرها، تحتم ضرورة أن يكون المثقف العماني على وعي بمتطلبات التنمية والاستجابة الواعية لمطالب المجتمع المتطورة.
ولا شك فإن هذه الاحتفاليات الثقافية تفرض دورا كبيرا على مستقبل الثقافة والمثقف العماني، وتفتح المجال أمام الشباب العماني نحو الإبداع والمشاركة الفاعلة والتميز الهادف والتألق في سماء النجومية، وفي نفس الوقت تسهم في تحقيق التواصل الثقافي بين المثقفين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
وفي ضوء الطرح السابق لمفهوم المثقف وخصائصه ومبررات الدور الذي يقوم به، يمكن القول أن تحقيق المثقف العماني لدوره في التنمية المستدامة، وفاعلية هذا الدور تتطلب منه أن يكون واعيا ومؤثرا في مجتمعه من خلال تبني مجموعة من الحقائق التي تشكل ثالوث التميز في أداء المثقف في الألفية الثالثة، وتعتبر دعائم التنمية التي ينشدها المجتمع ويجدها بين أبنائه، وما من شك فإن المسؤولية تبقى على المثقف أكثر من غيره فإنه منوط به ترسيخ مفاهيم الولاء والانتماء والحوار وتقبل الآخر.
المثقف العماني ومنهج تفاعل الثقافات:
وإزاء هذا الحجم المتنامي من المعرفة الإنسانية التي تميزت بأنها لا تتحدد في حدود معينة في ظل التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة حتى أصبح العالم قرية صغيرة، يأتي أهمية انفتاح الثقافات المتنوعة المتباينة على بعضها، هذا الانفتاح الذي يسمح بالحوار وتقبل الآخر والتفاهم والمشاركة البنّاءة من أجل الإطلال على آفاق جديدة من عوامل الثقافة ومكوناتها. إذ أن هذا التفاعل الحر والحوار المشترك هو الذي يؤدي في حقيقية الأمر إلى الوصول إلى ثقافة عالمية، يتوحد عليها البشر في يوم من الأيام. ولعل شريعتنا الإسلامية التي تشكل المصدر الأساسي في التشريع في المجتمع العماني وما حملته من قيم التسامح والحوار والمشاركة الفاعلة وسلوك الرسول الكريم في تحقيق هذه المفاهيم أكبر دليل على الأثر الذي تحدثه هذه المنهجيه في تطوير المجتمعات ونقلها من حالة التخلف إلى حالة التطوير والمشاركة الفاعلة في الحضارة الإنسانية. فعلاقة المثقف بمحيطه الداخلي بما فيه من ثقافات وبالعالم الخارجي بما يحمله من قيم ينبغي أن تكون علاقة أخذ وعطاء لا مجرد أخذ فقط، ولا سيما أن لدينا الكثير مما يمكن أن نعطيه، إذا كنا واعين لما لدينا، وقادرين على استثمار ثمرات الماضي بأدوات المعرفة الحديثة، وعلى تجديد هذا التراث ثم الزيادة عليه عن طريق العمل المبدع الخلاق (محمود إبراهيم، 2006). وفي تأكيد مبدأ التواصل الثقافي للمثقف يأتي أهمية الفهم لثقافة الآخر وتأكيد ثقافة الحوار في تقريب وجهات النظر ومتابعة المثقف لكل جديد في المنظومة العالمية ومشاركته في صنع المستقبل المنظور لأمته ومجتمعه. فبالحوار أو التواصل الثقافي يمكن أن نحظى بهذا المستوى العالي من (الفهم المشترك)، وإذا استطعنا أن نحظى بهذا المستوى العالي من الفهم المشترك، يستطيع المرء منّا أن يمارس ملكاته الرفيعة من البداهة والحكمة والقيم الفاضلة، ويصبح من الممكن فحص جزئيات القضية المطروحة والانتقال من المنظور الضيق إلى الأوسع، ومن خلال تبني رؤية "الفهم المشترك"، يتأكد مبدأ التعاون المشترك الذي يزيد من التفاعل الخلاق ويعزز الاتجاه نحو صنع القرار المشترك (محمد الفيومي، 2003).، فالتحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها إنما يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي.
المثقف العماني والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة:
تأتي المواءمة بين الأصالة والمعاصرة من أهم التحديات التي تواجه المثقف ودوره في التنمية المجتمعية المستدامة، بحيث يجمع بين موروث أمته الحضاري والثقافي وينطلق منه نحو العالمية، بما يحفظ الثوابت الوطنية. كما أن ترجمة مفهوم الأصالة يرتبط بمدى معرفة المثقف بالأمة التي ينتمي إليها في ماضيها وحاضرها وما يتوقع لها، وذلك بغض النظر عن طبيعة اختصاصه، إذ من المهم أن يكون على بينة بالموروث الثقافي والقيمي والحضاري الذي يتميز به مجتمعه وأمته عبر القرون المتعاقبة، ثم الحالة الراهنة التي عليها مجتمعه وما يتطلع إليه في المستقبل، وإذا كنا ندرك أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر تفجر معرفي لم يسبق له مثيل، فإن إلماما بقدر كاف من أنماط المعرفة المعاصرة، وإطلاعا كافيا على أحوال العالم الخارجي يصبحان ضرورة من ضرورات المثقف (محمود إبراهيم،2006). وإذا كانت الثورة الثقافية - كما يرى البعض- تعني أن تجعل من الماضي حياً من جديد، عن طريق دمجه بالممارسة الاجتماعية والحضارية الفعلية، فإن ذلك يتطلب توليد ثقافة جديدة تستطيع أن تستوعب العلم والتكنولوجيا اللذين يعدان من العناصر المحركة والمغنية للثقافة، وهذا لا يتم إلا إذا غدت قيم التراث واتجاهاته قيماً متحركة حركة حية، تتوافق مع ما يستلزمه التقدم العلمي التكنولوجي، فالتراث الثقافي شيء ثمين، تزداد قيمته عندما نجدده ونملأه بالديناميكية والحركة، ونجعل منه حافزاً على بناء حاضر جديد ومستقبل جديد، والماضي يظل مغنياً ما حافظ على هذه الرموز المحركة، ولا يغدو تخلفاً وجموداً إلا حين تفقد هذه الرموز معناها. 
المثقف العماني وتعزيز الهوية الوطنية:
عندما تُطرح قضية الهوية الثقافية بجانبيها الخصوصية والعمومية الثقافية مقرونة بعنصري الأصالة والمعاصرة، يأتي دور المثقف في محاولة العمل الجاد والواعي في إيجاد تمازج في الفكر من أجل إحداث تغيير إيجابي وفاعل في عملية البناء الثقافي والاجتماعي في المجتمع. ومن المؤكد أن الثقافات الإنسانية درجت منذ فجر التاريخ إلى السعي بشتى الوسائل والطرق نحو المحافظة على تميز الهوية الثقافية، مما يجعلها تكتسب خصوصية تسمو بها عن سائر الثقافات، تلك الخصوصية التي تجعل أعضاءها يزدادون انتماء بها وإليها مهما علت درجة تلك الثقافة أو هبطت لأنها في النهاية جزء من الكيان الإنساني ذاته والذي يحرص الإنسان دوما على حمايته وصونه رغبة في حب الاستمرار وغريزة البقاء (محمد إبراهيم، 1999: 139- 142). غير أن قيام المثقف لشخصه بهذا الدور لن يتحقق إلا من خلال دعم مؤسسات المجتمع للثقافة والمثقفين، وتبصيرهم بأدوارهم، ومشاركتهم في عملية التطوير والبناء، وجعلهم في مقدمة من يعنيهم شأن التنمية المستدامة، وتجسير الهوة بين المثقفين والقيادة السياسية والمثقفين وفئات المجتمع. وعندما تتوافر لدى المثقف هذه القاعدة العريضة من الدعم والمساندة من جميع مؤسسات المجتمع وهيئاته، وعندما تتاح له فرص التعبير الهادف والرؤية الواعية في الاستفادة من قدراته وإمكاناته، وتهيئة الظروف الملائمة لعمل المثقفين، وذلك بمشاركة المثقفين جميعهم في عملية البناء والتطوير نحو مزيد من الخلق والإبداع والابتكار، وتوفير المناخ التشاركي الذي يتيح حرية التعبير وحرية الكلمة وفق رؤية اجتماعية واعية تتحمل المسؤولية بصدق وأمانة بمشاركة المثقفين وصانعي القرار ومنفذيه في المجتمع، فإنه وبلا شك سوف يساهم في نقل المثقف من مرحلة الجمود الفكري إلى مرحلة من النضج والانفتاح المتوازن الواعي. 
المثقف العماني ورؤية التنمية المستدامة:

إذا كانت الثقافة في معناها الواسع تشمل جميع الإنجازات الاجتماعية والثقافية المتراكمة عبر السنين التي تكوّن تراث المجتمع، سواء كانت أعمالا فنية أو فلسفية أو أدبية أو علمية، فبلا شك فإن التراث العماني الضخم الذي تشكل عبر آلاف السنين من تاريخ عمان يعبّر عن صفحة مشرقة في تاريخ الثقافة والمثقف العماني على مر العصور. ويأتي الموروث الحضاري الثقافي العماني بما فيه من عادات وتقاليد وفنون شعبية أحد الدعامات الأساسية التي يقوم عليها التراث الثقافي العماني، فالمجتمع العماني يتميز بعاداته وتقاليده الاجتماعية التي تشكل عنصرا حيويا من ثقافته وتراثه الإسلامي والوطني والحضاري، وهو بجميع فئاته وأفراده تحكمه هذه السلسلة من العلاقات والأعراف والقيم والعادات والتقاليد الإيجابية التي امتزجت بفعل حركة الزمن وتطوره، وإلى جانب العادات والتقاليد التي يزخر بها التراث العماني، فإن هناك الثقافة الشعبية العمانية التي تتميز بكونها أصيلة حية ومباشرة تتميز بالشفافية والحكايات الشعبية والقصائد الشعرية. على أن الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة، قد علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية فهو كالهواء والكلأ ملك عام للأمة، وأن كل فرد من هذه الأمة له الحق فيه، كما أنه على كل فرد أن يُخرج ما في مقدوره للآخرين، هذه الرؤية التي يؤمن بها المثقف العماني ساهمت بما لا يدع مجالا للشك في تحقيق الانفتاح العماني على العالم الخارجي، وتفاعل المثقف العماني بشكل لم يسبق له مثيل مع الأحداث المعاصرة له على مر العصور، مما ساهم في بروز قمم أدبية وثقافية على الساحة العمانية حق لها أن تتبوأ مكانها اللائق بها بين أقرانها في العالم العربي. وإذا كان للمجتمع العماني تلك المقومات الثقافية الكبيرة التي يمكن أن تشكل المنهج الذي يمكن أن يبني عليه المثقف العماني دوره الثقافي والحضاري والإنساني في النظام العالمي الجديد، فإنه لحري به أن يستلهم من تلك المقومات ما يسهم في تحقيق التواصل الثقافي مع الآخر سواء كان التواصل محليا بين المثقف وفئات المجتمع العماني، والمثقف والقيادة السياسية في الوطن والتي تقوم على تأكيد وتعزيز مفهوم الولاء والانتماء والتربية المواطنية المميزة.
وأخيرا يظل النطق السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في زيارته التاريخية لجامعة السلطان قابوس "نحن لا نصادر الفكر"، نبراسا يضيء الطريق ويستلهم منه أبناء عمان معاني التفاؤل والتجديد والأصالة والمعاصرة التي ينبغي أن يضعها المثقف العماني نصب عينيه، كما أن إيمان القيادة الحكيمة لباني نهضة عمان الحديثة بأن تحقيق الإنسان العماني الهوية العالمي الفكر والرؤية، الذي يدرك الأمور وينظر إليها بمنظور المستقبل مع التزامه بالثوابت هو غاية التنمية الوطنية؛ سوف يعّزز من دور المثقفين العمانيين في المجتمع نحو مزيد من الإبداع والإنتاج والمشاركة الفاعلة في تحقيق التنمية المستدامة، ويبقى هنا على المثقف جدية الرغبة في التواصل والتجديد واستخدام منهج التحليل في رصده للأمور والنقد الهادف البناء في تعاطيه لقضايا وطنه والتي يسعى من خلالها إلى تقديم البدائل والحلول وبناء أسس الحوار والفهم للذات والآخر.


المراجع:
إبراهيم، محمد( 1999م)، الثقافة العربية وتحديات العولمة، مجلة شؤون اجتماعية، العدد ( 61)، السنة( 16)، ص ص 133- 163.
إبراهيم، محمود ( 2006م)، المثقف العربي: الصورة المثلى له، المجلة الثقافية، عدد (20)، الأردن، الجامعة الأردنية.
خليل، زهير ( 2006م)، دور التنمية الثقافية في بناء المجتمع، مجلة الثقافة، العدد (3)، كانون الثاني، 2006م، ص ص: 58- 60.
السنوي، معتصم ( 1999م)، المثقف العربي والتحديات الجديدة التي تواجه الأمة العربية، المجلة الثقافية، العدد(46)، الأردن، الجامعة الأردنية.
الفيومي، محمد ( 2003م)، قيم الحوار وإشكالية التحدي الحضاري، سلسلة محاضرات ليالي رمضان لعام 2003م، الكتاب الأول، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ص ص 78 - 100
مدكور، علي ( 2001م)، الثقافة في عصر العولمة، مجلة الأمانة، العدد(13)، أكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة، ص ص 158- 162.
الأنصاري، محمد جابر ( 1992م)، التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، بيروت، دار الغرب الإسلامي.









شاركنا الراي ...

مختارات مصورة